سلوى كتاو تكتب: “الخوجة” ومدرسة السياسة التركية

مظاهرعدم التوافق بين أردوغان وداود أوغلو بدأت تظهر بعد استلام داود أوغلو زعامة حزب العدالة والتنمية ورئاسة الوزراء قبل قرابة 20 شهراً.يتبع

اعتمد حزب العدالة والتنمية مدرسة خاصة به في السياسة تضمن له البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة, في ظل الطبيعة المركبة للشعب التركي، تنطلق من مبدأين أساسين هما المصلحة الوطنية للدولة والحفاظ على السلطة، وعلى الرغم أن هذا هو الأصل في أي حزب حاكم إلا أن الحزب استطاع أن يجعل له خصوصية في مدرسة السياسية، آخر فصول هذا الدرس الخوجة أحمد دواد أوغلو.

مما لا شك فيه أن تركيا تمر الآن بفترة تحول تاريخيه وهي تعديل الدستور، تحتاج هذه المرحلة الصعبة لتكتيك سياسي تجتمع فيه الصعوبة والمجازفة والإبتكار في آن واحد. صناع القرار السياسي في تركيا يتفقون على صعوبة الأشهر القليلة المقبلة, لما ستشهده من تغييرات جذرية في السياسة التركية والنظام السياسي ككل. ولا يمكن تفسير ما حدث بين رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو خارج هذا الإطار, ودون الرجوع بالذاكرة للوراء قليلاً والنظر أيضاً في المستقبل القريب. 

لذا برأيي حان الوقت للكف عن البكاء على ذهاب البروفيسور بطريقة درامية ونترك قصص الخلاف بينه وبين الرئيس جانباً  ونبحث عن موضع هذا الحدث في فصول منهج  المدرسة التركية.

مظاهرعدم التوافق بين أردوغان وداود أوغلو بدأت تظهر بعد استلام داود أوغلو زعامة حزب العدالة والتنمية ورئاسة الوزراء قبل قرابة 20 شهراً.

فما الذي حصل الآن حتى قرر أردوغان فجأة أنه ضاق ذرعاً بتصرفات داود أوغلو التي تسير عكس ما يرغبه؟ في 27 مارس 2016, قال وزير الصحة التركي محمد مؤذن أوغلو إن الحكومة تستعد لعرض الدستور الجديد للاستفتاء العام في أكتوبر أو نوفبمر من العام الجاري, وهذا تصريح مهم لا يمكن تجاوزه لو أردنا فهم خلفيات المشهد السياسي الذي جرى في تركيا وتحدثت عنه جميع وسائل الإعلام العربية والعالمية, فبعيد لقاء دام أكثر من ساعة مع الرئيس أردوغان, دعا داود أوغلو لمؤتمر عام استثنائي لحزب العدالة والتنمية ولن يرشح فيه نفسه لزعامة الحزب.

بالطبع لا أحد يعلم ماذا حصل في هذا اللقاء وغيره من اللقاءات الثنائيةالكثيرة التي جمعت بين أردوغان وداود أوغلو سوى شخصيهما, لكن يبدو أن طبخة ما كانت تعد على نار هادئة وآن الأوان لتنفذيها. عندما صرح مؤذن أوغلو بذلك التصريح حول الدستور كان يعي ما يقول تماماً, فهناك جهود تبذل داخل البرلمان لمحاولة الحصول على 14 صوتا إضافيا فقط لطرح الدستور على الإستفتاء العام وهذا ما سيحدث نهاية هذا العام. وفي هذه الحال ستنتقل تركيا للنظام الرئاسي ولن يبقى أي أثر لمنصب رئيس الوزراء. وكل ما يحتاجه أردوغان الآن هو شخص يمشي بالبلاد بصفة رئيس وزراء حتى موعد الإستفتاء, وهذا الشخص لن يكون داود أوغلو, فلداود أوغلو مهمة أكبر بكثير من ذلك.

المشهد  السياسي الذي تابعناه جميعا لم تبخل علينا بالمشاعر الجياشة حتى أن الكثيرين بكوا وهم يتابعون المؤتمر الصحفي لداود أوغلو. لو كان الخلاف بين أردوغان وداود أوغلو كبيراً لهذا الحد لماذا لم نرى داود أوغلو يستقيل على الهواء مباشرة وينقم على الرئيس وعلى الأيام التي قضاها في خدمة القضية المشتركة؟

بالمقابل لماذا  اكتفى أردوغان بالتعليق على هذه الحادثة بعدة كلمات فقط (هذا قراره وعساه خيراً) عوضاً عن قضاء دقائق طويلة في التعقيب على الحادثة وعلى شخص داود أوغلو كما يفعل عادة عندما لا يعجبه أي تصرف من أي كان حتى ولو كان من أعضاء الحزب نفسه؟ المشهد خلق تعاطفاً كبيراً تجاه داود أوغلو, هذا الفيلسوف والأكاديمي المحبوب من قبل الغرب ذي الإطلالة البشوشة والحنكة السياسية, وخلق هذا الإنطباع لدى الإعلام والشعب على حد سواء رؤية ضرورية للمرحلة المقبلة من تاريخ داود أوغلو في السياسة. 

أعتقد أن المشهد السياسي الأخير في تركيا كانت له عدة أهداف أهمها, إشغال الرأي العام والإعلام بهذه القضية دون قضية الدستور والإستفتاء العام والأحداث الأخرى في البلاد, إيجاد حاضنة شعبية كبيرة وتعاطفا بلا حدود مع شخص داود أوغلو حتى من قبل أعداء البارحة

والأهم عدم رضوخ تركيا لمطالب الغرب, وإقناعه في الوقت ذاته بأنه رغم عدم رضوخ تركيا لما تريدون فإن هناك أصواتا كبيرة داخل الحزب مقتنعه بما تطلبون.

نحن نشهد الآن بناء مشروع الرئيس التركي القادم بعد أردوغان, أردوغان ليس بالشخص الذي سيترك أعداءه يتمتعون برؤيته يذهب آخذاً معه كل ما أنجزه لتركيا, هو حريص كل الحرص على مجيء شخص يحمل المشعل من بعده مع غياب التحضيرات والاستعدادات للمعارضة التركية التي تكتفي بالإنتقاد وعدم التفكير أبعد من أنفها.

هذا ينفي نظرية دكتاتورية أردوغان بل هو سعي حثيث منه لتأمين مستقبل تركيا برجل يمكن الإعتماد عليه ولديه القوة والجرأة الكافية وليس حجر شطرنج يمكن التلاعب به.

 سلوى كتاو أكسوي
مدونة وإعلامية سورية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة