بسيوني نحيلة يكتب: الشباب بين قسوة الأزمات وعنف الحكومات

ماذا لو وجد الشاب العربي من يصغي لشكواه، ويتبنى قضاياه، ويئن لأوجاعه، ويخطط لمستقبله؟هل إذا توفر له ذلك- أن يكون يائساً بئيسا، ساخطاً غاضباً.يتبع

تتصاعد أشكال العنف بين الشباب العربي في الآونة الأخيرة، بدءًا بالانفعالات والتوترات الملحوظة في تصرفاتهم وردود أفعالهم، ومروراً بإعلان تعاطفهم مع بعض أحداث العنف عالمياً وإقليمياً، ووصولاً إلى مرحلة انضمام بعضهم إلى الجماعات والهيئات التي تتبنى العنف منهجاً للتغيير ووسيلة للحكم.

ولقد دفع تفاقم هذه الظاهرة كثيراً من المحللين والباحثين -عربياً وغربياً- إلى دراسة وتحليل أسباب هذه الظاهرة وبيان أثرها على الأمن العالمي والإقليمي، ولقد انتهى بعضهم إلى استخلاص نتائج وتوصيات عدة تتميز بالعموم والتنظير. ويرى الكاتب أن مثل هذا الإجراء التقليدي في التحليل الأكاديمي، قد يصلح لعلاج ظواهر اجتماعية من المستوى العادي البسيط.

أما ظاهرة العنف في محيط الشباب، فهي من القضايا المعقدة والمركبة التي تحتاج في دراستها إلى تفكيك دقيق لكل أجزائها الفكرية، والمجتمعية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية…وغيرها من العناصر التي يتأثر الشباب بها ويؤثرون فيها. ومن أهم الوسائل التي تتبع في هذه المنهجية ما يعرف في الأبحاث والدراسات بأسئلة الافتراض، وهي التي تربط بين السبب والنتيجة، وتعين على تفسير الظواهر بموضوعية، وتصل إلى نتائج عملية قابلة للتنفيذ إذا وجدت الإرادة الصادقة لمعالجة الظاهرة.

وفي هذا المقال أحاول أن أضع بعضاً من هذه الأسئلة الافتراضية بين يدي المعنيين والمهتمين، وأهمها ما يأتي:

– ماذا لو شعر الشاب العربي بالحضن الدافئ داخل مجتمعه، والاحترام لذاته بين أقرانه، والاعتراف بقدراته بين معلميه ومربيه، وتقدير مهاراته من قياداته وحكّامه؟. هل يمكن -إذا توفر هذا الشعور- أن يرمي بنفسه بين لهيب النار وقعقعة السلاح، أو أن يبحث عن مجالات إثبات الذات وفرضها بالقوة عن طريق إحداث الضوضاء، وإثارة الغبار، وإشعال النيران للفت الأنظار وجذب الانتباه؟.

– ماذا لو وجد الشاب العربي من يصغي لشكواه، ويتبنى قضاياه، ويئن لأوجاعه، ويخطط لمستقبله؟ هل يمكن -إذا توفر له ذلك- أن يكون يائساً بئيسا، حزيناً كئيبا، قلقا متوتراً، مندفعاً متهوراً، ساخطاً غاضباً…؟.

– ماذا لو أحس الشاب العربي برابطة الوطن، وملكية الأرض، والانتماء الحضاري لتراث الآباء والأجداد، وفائدته المستقبلية لصالح الأبناء والأحفاد؟. هل يمكن -إذا توفر هذا الإحساس- أن يهاجر بلده، ولا يبالي بأرضه ولا بمقدراتها، وينسى ماضيه، ويتنكر لحاضره، ولا يفكر في مستقبله، بل يحرق الأخضر واليابس، ويدمر الحرث والنسل؟.

– ماذا لو أُتيحت للشاب العربي المراكز التربوية التي تعمل على بناء الفكر، وتشجع على الإبداع والابتكار، ويقوم عليها المربون المصلحون والحكماء المخلصون، الذين يجذرون القيم والمبادئ في القلوب، ويتعهدون النوابغ بالتطوير والتنمية…؟ هل يمكن -إذا أتيح ذلك- أن يلجأ الشاب إلى محاضن الفكر المتطرف العقيم، أو أن يعتمد على عقله قبل نضجه، أو على قرنائه قبل أن يبلغوا الأشد، أو أن يفرغ طاقته في ابتكار المدمرات والمفجرات، أو أن يُجند لنظرية خاطئة ينكرها المنطق السليم، أو أن تُستغل عاطفته لدينه ضد أصول الدين ومصالحه…؟. 

– ماذا لو نشأ الشاب العربي في مجتمع يسود فيه العدل، وتتحقق فيه العدالة بجميع أنواعها الاجتماعية، والقضائية، والسياسية…؛ فيُقتص من الظالم المعتدي لصالح المظلوم المستضعف، وتُوزع فيه الثروات بالسويّة، وتتحكم الكفاءة والجدارة في ملء الوظائف والمناصب؟ هل يمكن -إذا توفر ذلك في مجتمعه- أن يصرخ بالعقاب والثأر، أو أن يأخذ حقه المسلوب بيده وقوته، أو أن ينادي بالخروج على الظالمين دفاعاً عن النفس والأعراض، أو أن يحقد على المترفين ممن داسوا الفقراء والمساكين، أو أن يثور ضد الطغاة المستبدين…؟

– ماذا لو ولد الشاب العربي حراً طليقاً على أرضٍ غير محتلة، يتحرك بين أرجائها بدون حواجز ولا جُدُر، يتمتع بمقدساته وتراثه، لا ينازعه غاصب محتل، أو يقهره حصار ودمار، أو يراقبه عميل خائن…؟  هل يمكن -إذا ولد في هذا المناخ- أن يقاوم ويدافع بقوة القهر وذل الاحتلال، أو أن يزأر مكشراً عن أنيابه ثائراً لكرامته ومجد آبائه وأجداده، أو أن يسترخص الحياة بطعم الذل والهوان، ويتطلع إلى موت العزة والكرامة…؟.

– ماذا لو تربى الشاب العربي في مجتمع تظله حرية التعبير وإبداء الرأي، وتنوع الأحزاب على معيار الأخلاق واحترام الآخر، ويحترم فيه رأي الأغلبية الحر في اختيار الحكام، ويتنافس السياسيون في حماية الوطن وخدمة المواطن؟ هل يمكن -إذا توفر ذلك- أن تصيبه الكآبة وفقدان الأمل، فيقابل الإساءة بالإساءة والقوة بالقوة، فلا يحترم قانوناً، ولا يثق في سلطة، ولا يعير لشعارات التخدير وأصحاب الوعود الزائفة بالاً ولا احتراماً…؟ 
 

– ماذا لو نشأ الشاب العربي في دولة خالية من الاستبداد والقمع والاستقصاء والظلم، متحررة من الديكتاتورية والانتهازية والعلمانية…؟ هل يمكن -إذا وجدت هذه الدولة- أن يكون ثائراً منتفضاً، غاضباً معارضاً، مقاوماً عنيداً، مهاجماً عنيفاً…؟ 

لا شك أن العنف مرفوضٌ ومدانٌ عند العقلاء والمصلحين، فهو صورة شائنة، تجعل الجميل قبيحاً، والقوي متهوراً، والحكيم ساذجاً، والخلوق فاحشاً، وصاحب السلطة باطشاً.

ولذا يجب أن تطرح مثل هذه التساؤلات بقوة على الحكومات والمؤسسات العربية والعالمية التي يؤرقها عنف الشباب العربي، ويبحثون عن معالجات ومحصنات تمنع من تفشي الظاهرة أو اشتعال لهيبها الحارق في القريب والبعيد والصديق والغريب. لابد أن يعلم المعنيون بالأمر أن الشاب العربي يتمتع بطاقة روحية ومادية، وعزة وكرامة تجري في عروقه كالدماء، فإن وُجهت بالرأفة والود إلى الخير كانت عامل بناء وعمار للحاضر والمستقبل، وستكون غير ذلك إذا ما أصرت السياسات والحكومات على تبني العنف منهجاً بافتعال الأزمات والتوترات، وتبني الصدمات والاستفزازات، وإشعال فتيل العداوات والخصومات. جاء في الحديث: “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف و ما لا يعطي على ما سواه”.

د. بسيوني نحيلة
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة