مدونات

بسيوني نحيلة يكتب: بعضآ مما جنته الإسلاموفوبيا

ظهر ذلك في الإصرار على إظهار شعائر دينهم بعزة وافتخار وعدم التخفي به، والمرأة المسلمة هي خير من يذكر في هذا الباب، فقد أصرت على أن يكون حجابها هو عنوان إسلامها. يتبع

من خلال بعض الحوارات مع مسلمين وغير مسلمين حول تصاعد حملات الإسلاموفوبيا في الغرب ونتائجها في الفترة الأخيرة، تبين أن محاولات دعاة الإسلاموفوبيا وجهود مروجيها حول العالم لم تحقق مرادها ولم تصل إلى أهدافها كما أرادوا في محيط المسلمين وغير المسلمين.

ولا يغرنك كثرة الأصوات التي تنادي بشعارات عدائية ضد الإسلام في بعض أجهزة الإعلام، أو بالمسيرات العنصرية التي تهتف ضد المسلمين في بعض شوارع أوربا، فهي ضمن هذه الحملات المتنقلة من مكان إلى آخر، والتي تتبادل الأدوار عبر وسائل الإعلام والتواصل المختلفة للإساءة للإسلام والنيل من أتباعه. أما حقيقة التأثير على أرض الواقع، فذلك مما تنفيه الحقائق والوقائع.

فالحقيقة أن كثيراً من المثقفين بين غير المسلمين لا يزالون يُحّكمون عقولهم وفطرتهم في الحكم على ما يسمعون من هجمات أشياع الإسلاموفوبيا الشرسة وتحريضهم الحاقد، مما ترفضه النفس البشرية السليمة التي ترجو العيش في سلام وأمان، وتقدر عواقب تصاعد حملات البغض والكراهية على أمن المجتمعات وسلامتها.

ومثل هؤلاء ازداد تعاطفهم مع المسلمين ودعمهم الصادق، فبدأوا بالتواصل المعنوي والإيجابي مع جيرانهم من المسلمين وعرض المساعدات الاجتماعية، وإظهار معارضتهم لهذه الحملات والمسيرات، إما صراحة، كما حدث في بعض الجامعات بأمريكا عندما قام بعض العمداء والمسئولين بإصدار بيانات رسمية تمنع التظاهر ضد الإسلام وأتباعه، مما شجع كثيراً من أساتذة هذه الجامعات على أن يتواصلوا مع الطلاب المسلمين يدعمونهم، ويخففون عنهم.

وغير ذلك من وسائل تدل على الحكمة وتحكيم العقل. ومن أعجب ما سمعته في هذا الصدد ما قامت به بعض المؤسسات الدينية من إطفاء أنوار المؤسسة عند مرور إحدى المسيرات الليلية الداعمة للإسلاموفوبيا كدليل على عدم الرضا بهذه التصرفات العدائية.

 وهناك شريحة أخرى من غير المسلمين دفعتهم هذه التصرفات الهوجاء من الإسلاموفوبيا على أن يبذلوا جهداَ للتعرف على الإسلام بالسؤال والقراءة عنه من مصادره المعتمدة، هذا بالإضافة إلى المتابعة الدقيقة والمراقبة المستمرة لأفعال كثير من المسلمين وتصرفاتهم في حياتهم العادية العامة، وبخاصة في جانب الأخلاق المهنية، والعلاقات الأسرية، والخدمات الاجتماعية العامة.

وغيرها من المظاهر العملية التي يتميز به الإسلام عن غيره من الأديان في اعتبارها ديناً يتقرب الفرد بها إلى الله، مما يضفي عليها لمحة ربانية مؤثرة تضع الإسلام في صورته الناصعة المؤثرة؛ فكان في ذلك إثبات عملي بالوقائع والمشاهدة أن ما ينادي به دعاة الإسلاموفوبيا إنما هو محض افتراء وتضليل. أما على مستوى المسلمين، وبخاصة من يعيشون في الغرب فقد قوي تمسك كثير منهم بالإسلام.

ظهر ذلك في الإصرار على إظهار شعائر دينهم بعزة وافتخار وعدم التخفي به، والمرأة المسلمة هي خير من يذكر في هذا الباب، فقد أصرت على أن يكون حجابها هو عنوان إسلامها في المؤسسات والجامعات والأماكن العامة، مما أكسبها مزيداً من الاحترام والتقدير. ولقد كان من نتاج الإسلاموفوبيا –أيضاً- قبول كثيرٍ من المؤسسات الإسلامية بالتحدي والمواجهة البنّاءة في مواجهة هذه الحملات؛ وذلك بعدم التفريط في الحقوق والمستحقات والإصرار على التشبث بالمواطنة مع الحفاظ على الدين دون تنازل أو مساومة.

وأعتقد أن من أعظم نتائج حملات الإسلاموفوبيا في محيط المسلمين هو هذه المسارعة في مراجعة كثير من المسلمين لأنفسهم، وتقويمهم لذاتهم، وتأكدهم من ارتباطهم بأصول الإسلام وآدابه، والسير على تعاليمه، والحذر الشديد أن يكون أحدهم سبباً للنيل من الإسلام أو أن يُؤتى الإسلام من قِبله بسبب سوء خلقه أو رداءة أدائه. ومن المردود الإيجابي أيضاً التطوير والتجديد في الخطاب الدعوي ووسائله وممثليه عن طريق وسائل الإعلام والتواصل الفردي والاجتماعي، المباشر وغير المباشر.

ولقد ترتب على ذلك أيضاً قيام بعض علماء الإسلام الصادقين بمشروعات تنقية تراث الإسلام من الأفكار والآراء التي أُقحمت فيه ونُسبت إليه، وإعلان ما هو من أصوله وثوابته وما هو من آراء البشر مما قد يقبل أو يرد، ثم الدعوات الصادقة لقيام مؤسسات أكاديمية تُعنى بدارسة الفكر الغربي، وبناء منهجيات أكاديمية تتمكن من الحوار والمناقشة والرد على المؤسسات البحثية الغربية المعنية بدراسة الإسلام عالمياً أو محلياً.

ولهؤلاء العقلاء المنصفين من غير المسلمين والغيورين من المسلمين أقول: ستظل بعض القلوب المريضة مليئة بالحقد والعداوة والبغضاء ما بقي الليل والنهار، ولكن تظل الكلمة الطيبة، والفطرة السليمة، والسلوك الواعي، هي الأبقى، بمتانة جذورها، والأنضج، بطيب ثمارها، تؤتي أكلها في المجتمعات، وتحمي بقاءها أمام النعرات الحاقدة على التواجد الإنساني المنتج الآمن.

وذلك بتحقيق التعارف الواثق الذي يحترم الآخر، ويسعى للعمل الموحد على قاعدة الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة، وذلك في إطار القيم والمبادئ التي تدعو للعدالة والمساواة والكرامة. أما الكلمة الخبيثة، فلا ثمار تُرتجى منها، ولا جذور تبقيها، إنما هي تُدفن حيث اشرأبت عنقها، وتتلاشى مع أول صيحاتها.

د. بسيوني نحيلة
أستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة