عبد الرحمن شكري يكتب: فلاح مصر الفصيح

كان الفلاح المصري الفصيح يضع بشكواه القاعدة الأساسية لأمن مصر واستقرارها على طول التاريخ، الذي ينبع من حفاظها علي الزراعة. يتبع

في صفحاته الأولى ومراحله المبكرة سجل التاريخ المصري القديم أن فلاحا مصريا بسيطا تعرض وهو في طريقه إلى السوق لحادث سطو من مسؤول إداري كبير (الخولي) أخذ منه عنوة بضائعه وحميره.

تحير الفلاح ماذا يفعل؟! كيف يقضي حوائجه وقد سلبت منه البضائع والحمير؟ وكيف يرجع إلى أهله بلا شيء؟ فكر الفلاح ثم انطلق إلى رئيس البلاط يشكو المسؤول الإداري الكبير(الخولي).

ساوره الشك أن يمنعه الحرس من لقاء رئيس البلاط لكن صعوبة الظرف وكيف يعود لأهله خالي الوفاض بلا طعام ولا متاع؟ غلبته طبيعة التحدي التي تربي عليها في القرية فقرر أن يقابل رئيس البلاط يشكو إليه ظلم الخولي مهما كانت العقبات.. سعد رئيس البلاط بشكوى الفلاح واستمتع بفصاحته وجمال أسلوبه. إنه يطلب إقامة العدل وإرساء دولة القانون وضمان الأمن للمنتجين العاملين. إذ أن العدل هو المعيار الوحيد الذي يحفظ الأرض (الكون) من السقوط في هاوية الفوضى والظلام. فقرر رئيس البلاط أن يعيد ليه حميره وبضائعه ويعزل الخولي ويعينه مكانه ليصلح ما أفسدته إدارة الخولي القديم في حق الفلاح المصري.

كان الفلاح المصري الفصيح يضع بشكواه القاعدة الأساسية لأمن مصر واستقرارها بل وازدهارها على طول التاريخ، الذي ينبع من حفاظها علي الزراعة والفلاحين والاهتمام بالقرية مصدر الكثير من الخير.

لقد أدى الظرف الذي نحن فيه إلى إسقاط حجج كل الذين تآمروا في عهد المخلوع علي زراعتنا ودورها في الاقتصاد المصري (يوسف والي ومدرسته) وقاموا بتغيير ثوابتها واعتمدوا الاستيراد في محاصيلنا الأساسية.

القرية المصرية كنز غني بغالب احتياجات المواطن المصري في غذائه, فهي المورد الرئيسي لرغيف الخبز وكوب اللبن وقطعة الزبد والجبن والدجاج والبيض واللحوم بأنواعها. لو وفرنا للقرية المصرية الحماية والدعم لوفرت لنا كل الضرورات أو معظمها ولا ما كنا بحاجة إلى الخارج إلا في القليل.

الخارج بأنظمته وأدواته المعقدة ودولاراته وخططه وضغوطه، الذي أدى إلى ما نحن فيه الآن من إهمال للزراعة، ونسيان للفلاح والقرية، وهذا النقص الشديد في احتياجاتنا الغذائية وارتفاع أسعارها، في ظل النقص الحاد في العملات الأجنبية التي يعتمدها السوق الدولي.

لقد أدى الظرف الذي نحن فيه إلى إسقاط حجج كل الذين تآمروا في عهد المخلوع علي زراعتنا ودورها في الاقتصاد المصري (يوسف والي ومدرسته) وقاموا بتغيير ثوابتها واعتمدوا الاستيراد في محاصيلنا الأساسية.

حين قامت ثورة 23 يوليو سنة 1952 كان الجنيه المصري يساوي أكثر من قيمته ذهبا، وكانت حكومة بريطانيا العظمى التي لا تغيب عنها الشمس مدينة للحكومة المصرية بأكثر من 20 مليون جنيه.

حين كان القطن المصري المحصول الأول عالميا والقمح المصري والأرز المصري والقصب المصري وعشرات الزراعات تكفي احتياجات شعبنا وتزيد وتصدر بأكثر من 70% من الصادرات المصرية، وتحمي الوطن من الديون الخارجية الثقيلة علي الحياة والحرية.

حين دخلت مصر في مواجهة العدوان الثلاثي سنة 1956 وعندما تعرضت لنكسة 1967 مع إسرائيل قامت الزراعة المصرية بدور بطولي في تمويل الاقتصاد المصري بما مكننا من عبور النكسة وتحقيق النصر, بل إن الصناعة المصرية في بواكيرها وجدت المساندة الكبيرة من الزراعة المصرية بالكثير من المواد الخام الرخيصة حتي قويت واشتدت.

إن دستور ثورة يناير سنة 2012 قد وضع الزراعة في مقدمة الموارد الاقتصادية ولقي الفلاح المصري عناية كبيرة من الدكتور محمد مرسي أول رئيس منتخب لمصر وأعلن أننا لابد أن نكتفي من غذائنا ودوائنا وسلاحنا ووضع الخطط لذلك.

لكن انقلاب 3 يوليو عاد بنا إلى التنازل عن مزايانا التاريخية في الزراعة والاعتماد على فلسفة استيراد الغذاء لتحقيق أطماع فساد مؤسساته ورموزه علي حساب الشعب المصري وغالبيته الفقيرة وها نحن نرى: لا اكتفاء ولا اختيار.

نقيب الفلاحين المصري الأسبق

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة