مدونات

سلوى كتاو أكسوي: غرف الإقناع

غرف الإقناع” هو الإسم الذي أطلق على هذه المساحات الخاصة التي تجرى فيها محاولات إقناع الطالبات المحجبات المقبلات على الدراسة في الجامعة بخلع حجابهن.يتبع

 سلوي كتاو أكسوي / مذيعة سورية

في غرفة مظلمة, باردة تكسوها الوحشة بإحدى أقبية جامعة إسطنبول, تجلس إحدى الطالبات تحدق في الطاولة أمامها تنتظر تجاوز العائق الأخير في طريق دخولها أقدم وأعرق جامعة في تركيا, جامعة إسطنبول.

بعد تجاوز كل الامتحانات التي صممت بهدف انتقاء أذكى وأفضل الطلاب في تركيا, هذه الطالبة الآن على وشك مواجهة أصعب امتحان, فكل اختبار عملي أو نظري نجحت في تجاوزه لا يرقى لصعوبة هذه اللحظات التي ستعيشها بعد دقائق.

بعد لحظات يفتح الباب وتدخل أستاذتان في خريف عمرهن, بوجهان كئيبان لا يخفف من برودهما سوى حر ذلك الصيف من عام 1997, تبدأ إحداهن التحدث مع الشابة عن أهمية هذه الجامعة وصعوبة دخولها, وعن الجهود الكبيرة التي بذلتها لتنجح في تخطي جميع التحديات وعن الأداء الرائع الذي حققته لتتمكن في النهاية من الوصول إلى أعتاب الجامعة. لكن, تبقى هناك عائق واحد, وهو الأصعب, عائق لا يمكن لإدارة الجامعة أن تغض الطرف عنه. إنه الحجاب. من هذه اللحظة, تبدأ مرحلة إقناع هذه الطالبة ومثلها والآلاف من الطالبات المحجبات بضرورة التخلي عن حجابهن لو أردن تحقيق أحلامهن وأحلام آبائهن بدخول جامعة في إسطنبول خصوصاً وتركيا عموماً.

“غرف الإقناع” هو الاسم الذي أطلق على هذه المساحات الخاصة التي تجرى فيها محاولات إقناع الطالبات المحجبات المقبلات على الدراسة في الجامعة بخلع حجابهن, وكانت تمثل رحلة عذاب نفسي مضني على الطالبات المحجبات وعائلاتهن. فالأساتذه الذين يفشلون في إقناع أي فتاة بالتخلي عن حجابها, يتوجهون مباشرة إلى عائلتها, ويعمدون إلى محاولة إقناع العائلة بضرورة التحدث مع الابنة وشرح خطورة قرارها بالمحافظة على حجابها, وعن النتائج التي ستترتب على ذلك من عدم إكمالها لتعليمها وبقائها ” متخلفة “. من الطالبات من اضطر لخلع حجابهن لضرورة إكمال تعليمهن, منهن من فضلن البقاء في المنزل بانتظار الفرج من عند الله تعالى, أما العائلات الميسورة فلجأت إلى إرسال فتياتهن إلى بلاد الغربة وبالأخص فيينا والأردن ومصر, لإكمال تعليمهن الجامعي.

غرف الإقناع” هو الاسم الذي أطلق على هذه المساحات الخاصة التي تجرى فيها محاولات إقناع الطالبات المحجبات المقبلات على الدراسة في الجامعة بخلع حجابهن, وكانت تمثل رحلة عذاب نفسي مضني على الطالبات المحجبات

ومع إصرار رؤوس العلمانية في تركيا على تنفيذ مرادهم, وصمود الطالبات أمامهم, تزداد حدة المواجهة بين الطرفين, العلمانيون ومن ورائهم الانقلابيون المسيطرون على الجيش والإعلام, يكشرون عن أنيابهم وتصطف عناصر الأمن ومكافحة الشغب بأسلحتها ومعداتها أمام أبواب الجامعات في مواجهة الآلاف من شابات تركيا المحجبات, ومن ناصرهن من الرجال والنساء. انتفض الشعب التركي لحماية هويته ومبادئه الدينية, خرج الآلاف بالمظاهرات, ساحة بيازيد في قلب إسطنبول كانت شاهدة على عدة مسيرات وتظاهرات حاشدة تدافع عن حقوق الفتيات في ارتداء حجابهن داخل الجامعات. في تلك الحقبة الكئيبة من تاريخ تركيا الحديث, ليس فقط الطالبات المحجبات, بل كل من أيدهن من الأساتذة والمعلمين في المؤسسات التعليمية التركية كان ضحية هذه المؤامرة, حتى طالبات مدارس الأئمة والخطباء لم يسلمن من حظر الحجاب.

هذه الغرف هي أبرز ما يميز ما يطلق عليه في تركيا بانقلاب 28 شباط, وهو انقلاب على المظاهر الإسلامية في البلاد, لم يحدث هذه الانقلاب بقوة السلاح والدبابة, لكنه تسلل عن طريق السيطرة على مراكز صناعة القرار ومفاصل التعليم والإعلام في تركيا, ومحاولة إقناع الشعب التركي بأن حكومة “طريق الرفاه” آنذالك التي جمعت نجم الدين أربكان وتانسو تشيلار, ستقود تركيا إلى الرجعية والتخلف والمتمثل بالتمسك بمظاهر الدين الإسلامي. ومن هنا فإن اختيار جامعة إسطنبول لبدء تطبيق نظام غرفة الإقناع لم يأت بالصدفة, فهي أقدم جامعة في تركيا أسسها السلطان محمد الفاتح الذي فتح مدينة إسطبنول وأخذها من أيدي البيزنطيين, وهي رمز انتصار الإسلام في أحدث صوره.

الآن بالنظر إلى تلك الفترة ومقارنتها مع ما تعيشه تركيا حالياً, هل تمكن مهندسوا هذه الغرف من “كمال عالمدار أوغلو” و “نور سرتر” و “توركان صايلان” من تحقيق أهدافهم؟ بالطبع لا, كل ما تمكنوا من تحقيقه كان الأذى النفسي والاكتئاب الذي طال الآلاف من فتيات تركيا الطامحات لإكمال تعليمهن. فالحجاب لطالما سبب ألماً يقض مضجع كل علماني معاد لمظاهر الدين في مباني الدولة في تركيا, الكثير من الأموال والجهود صرفت من أجل إقناع جيل كامل من الفتيات بضرورة التخلي عن حجابهن حتى ينضمن لباقي الفتيات في عصر “التطور” و”التحرر” من كل القيود لكن كل ذلك لم يأت بالنتيجة المرجوة. حيث نجح الأتراك في إعادة المسار السياسي الديمقراطي, والحفاظ على مبادئهم وارتباطهم التاريخي بدينهم. وهاهن فتيات ونساء تركيا المحجبات اليوم ينطلقن بقوة, يتقلدن المناصب السياسية والاجتماعية والعملية, ينظرن إلى تلك الفترة محاولين تذكر ملامحها باعتبارها ذهب إلى غير رجعة.  

سلوى كتاو أكسوي

إعلامية سورية

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة