سارة سويلم تكتب: أدب السجون.. انتصار القيد على السجان

أبدع الأسرى الذين كتبوا خلف القضبان بواكير إنتاجهم، أو أولئك الكتاب والشعراء الذين تم اعتقالهم فأكسبتهم تجربة الأسر آفاقاً رحبة جديدة. يتبع

رغم كل ما يعانيه الأسرى من إجراءات تعسفية وانتهاكات يومية، إلا أنهم لم يستسلموا لهذا الواقع المرير، بل قاوموا بكل قواهم، واستطاعوا أن يسجلوا انتصارات متعددة على السجان وفى أكثر من صعيد، حيث صنعوا من المحنة منحة، وحولوا ظلمات السجن إلى معاهد وجامعات تخرج المثقفين والمتعلمين وأصحاب الشهادات العليا، والأدباء والشعراء.

وبالرغم من محاولات العدو الصهيوني لعزل الأسرى عن العالم الخارجي، حيث عمل السجان على قمع الأسرى وعزلهم، ومارس تعذيبه وقهره، ولجأ إلى منعهم من أبسط الحقوق الإنسانية مثل الحق في القراءة عبر منع إدخال الكتب، ومنعهم من حق الكتابة، فلم يسمح بإدخال الأقلام والأوراق إلى السجون إلا بعد نضال على مدار سنوات سقط خلاله شهداء وجرحى، حيث ارتقى أسرى جراء محاولاتهم تحسين أوضاعهم المعيشية والإنسانية، عبر مراحل نضالية طويلة ، فقد ظلت الحركة الوطنية الأسيرة  تناضل أكثر من عشر سنوات لتستطيع أن تحقق انجاز امتلاك القلم والورقة.

ويمكن لنا أن نتخيل الأوضاع الثقافية للأسرى في ذلك الحين، إذ انحصرت تجربتهم الثقافية في صور فلسفية غير ذات جدوى، وانحسرت خيالاتهم في رؤى قصصية، تدفع إلى الركود والركون، وعدم التقدم بالحركة الثقافية, وساد هذا الحال كافة المعتقلات بشكل عام، في بدايات تجربة الحركة الوطنية الأسيرة، التي كانت تمتلئ بالقمع والتنكيل، والاستهتار بالقيم الإنسانية، من قبل السجانين، “إلا أن العديد من المثقفين، أخذوا على عاتقهم البدء بمحاولة التغيير التنظيمي، والثقافي، فبدأوا بعقد الجلسات الثقافية، وإلقاء المحاضرات الخاصة بالصراع الفلسطيني الصهيوني، من أجل الاستقلال.

وقد أبدع الأسرى الذين كتبوا خلف القضبان بواكير إنتاجهم، أو أولئك الكتاب والشعراء الذين تم اعتقالهم فأكسبتهم تجربة الأسر آفاقاً رحبة جديدة، فالتجربة الثورية النضالية والإنسانية غنية جداً، رغم التضييق على الثقافة و مصادرها ووسائلها الذي استمر لفترات طويلة، داخل السجون والمعتقلات، وما زال مستمراً حتى اليوم، فلا عجب أن نجد إسرائيل كياناً يُمارس مصادرة الكلمة وحرية الإبداع ، كما أنها الكيان الوحيد الذي قام بتشريع التعذيب، ضمن قانون مكتوب يسمح بتعذيب الفلسطينيين أثناء فترة التحقيق .

وقد أبدع الأسرى في مجال الكتابة والنثر والشعر، فيما عرف باسم “أدب السجون” حيث أصدر العشرات من الأسرى المئات من الروايات والقصص القصيرة، ودواوين الشعر، والخواطر، والكتب، التي رصدت المعاناة وعبرت عن مرارة التعذيب وآلام التنكيل وهموم الأسير، وكذلك أمل الأسرى في الحرية .

ومن خلف قضبان المعاناة، ومن عتمة السجون والزنازين رفد الأسرى الفلسطينيون الأدب الفلسطيني بدوافع الإبداع وروافد التميّز، لقد اكتسب أدب السجون خصوصية الثورة وعنف المقاومة، ورقة العشاق وطهارة الانتماء، ولكن الأدب الأسير لم يأخذ حقه في البحث والأضواء رغم أن السجن ظلّ من أهم روافد الإبداع والتطور الفكري والثقافي والأدبي.

الأسير المحرر والكاتب وليد الهودلي ، أجريتُ معه لقاء عبر صفحته الشخصية على الفيسبوك وسألته كيف للأسير أن يبدع؟ فأجاب: “من خلال الشعور بالتحدي وقدرة الأسير على تحقيق ذاته من خلال القلم”، إذا هو صراع أرادات بين سجان يريد أن يسرق من عمر السجين وسجين يريد أن يستثمر وقت السجن ويحقق هدفه من الكتابة وأن يستمر في نضاله وجهاده من خلال العمل الثقافي والإنتاج الأدبى، وأضاف “كتبت في سجن النقب آخر رواياتي بعنوان “ليل غزة الفسفوري” أثناء العدوان على غزة عام 2008 وقد فازت في مسابقة في سوريا وطبعت هناك الطبعة الأولى ثم الثانية هنا وهناك أيضا قصة للأطفال عائشة والجمل .. ورواية أمهات في مدفن الأحياء عن حياة الأسيرات”.

أما الكاتب والإعلامي نواف العامر بعد إصدار كتابه المعنون (أيام الرمادة… حكايات خلف القضبان) والذي تناول فيه قصصا من تجربته الاعتقالية من داخل الأسر، وتحدث فيه عن تجارب الأسرى الفلسطينيين ومعاناتهم، ولم يغفل إبداعاتهم حيث كتب عبر صفحته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي:” إن التعبير عن واقع الأسرى بطريقة أدبية أمر هام، ويجب أن يعطى له قدر كاف من المتابعة، لما للأدب من دور كبير في النفوس، التي تهوى التعبير عن الألم والمعاناة بطريقة تنساب بكل وضوح وشفافية في النفس، مشيراً إلى أن هناك الكثير من القصص والأمور الكثيرة التي تحدث داخل الأسر، والتي يجب أن تروى جميعها كدليل على ما يمارسه الاحتلال ضد الأسرى.

وقد أصدر مؤخرا الأسير الأديب” باسم خندقجي” والمحكوم بالسجن 3 مؤبدات ديوانين “طقوس المرة الأولى” و”أنفاس قصيدة ليلية” إضافة إلى إصداره رواية “مسك الكفاية”، بينما أصدر الأسير “عمار الزبن” 4 روايات من داخل الأسر، كان آخرها “خلف الخطوط” والتي رأت النور بعد جهود ومعاناة لتهريبها خارج الأسر، وتم تجميعها وترتيبها ونشرها حديثا، وكان سبقها نشر ثلاث روايات الأولى هي: “عندما يزهر البرتقال” والتي صدرت عام 2007 عندما كان الأسير في عزل سجن بئر السبع الجماعي، والثانية “ثورة عيبال” والتي لا تزال حبيسة سجني نفحة وهداريم، والثالثة “أنجليكا” وهو إسم فتاة يهودية ساعدت أحد ابطال المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى.

بينما لم يمنع أعلى حكم في العالم صاحبه الأسير “عبد الله البرغوثي” من تأليف عدة روايات داخل الأسر وهى: “أمير الظل”، و”مهندس على الطريق”، “الماجدة” ، “ذكريات بلا حبر”، “جواسيس الشاباك الصهيوني” و”المقصلة”.

بالإضافة لمن ذكرنا هنالك أسرى آخرون لديهم إسهامات أدبية خلف القضبان مثل الأسير إبراهيم حامد فقد أصدر كتاباً عن تجربته في العزل الانفرادي عام 2012، ورواية “حكاية صابر” للأسير المقدسي “محمود عيسى”، و”عكس التيار” و”محاكمة شهيد” للأسير الصحفي “وليد خالد” و”صهر الوعي” كتاب لِلأسير وليد دقة، ورواية “مسافر من أبراش المقابر” للأسير” رمزي مرعي”، بينما أصدر الاسير “محمد صبحه” كتب “حرب العصابات-بين النظرية العلمية والتطبيق الفلسطيني” و”بارود القسام” و”الصراصير- طريق الخداع” و”أمن المطارد”.

 وأصدر الأسير “حسن سلامة” كتاب “عميات الثأر المقدس لاستشهاد القائد يحيى عياش”، وهكذا فإن المشهد الثقافي داخل سجون الاحتلال أضحى من أهم معالم “الحياة الاعتقالية التي صاغتها الحركة الأسيرة منذ نشأتها قبل عقود فالمعاناة تولّد الإبداع، الذى يعتبر تعبيرا عقليا قائما على مضمون وأحاسيس، يرتفع بهم إلى الروحانية والإبداع الفني، وهو أيضاً صناعة إنسانية، تقدم للبشرية مادة جمالية بغرض إسعادها.

سارة سويلم
مدونة فلسطينية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة