محمد الزغلامي يكتب: الحياة في حلب والموت في مدننا

الأشباح الحقيقية تتدافع أمام المخابز، يعلو صوتها وتتشاجر فيما بينها وتتحمّل صفعات العساكر ولغو رجال الشّرطة في سبيل الظفر برغيف عيش لا يسمن ولا يغني من جوع. يتبع

شُلّت أياديكم و عجزتم عن نصرة حلب فكفّوا ألسنتكم عنها ولا تنعتوها بمدينة الأشباح! حتّى وإن وطئت أحذية العسكر عرشها وصالت حثالة البغي فيها لا تلقّبوها بمدينة الأشباح، حتّى وإن سارت الدًبابات فوق أراضيها ودنّست الأعاجم و الفرس حماها لا تلقّبوها بمدينة الأشباح، حتًى وإن استأسد البغل وزمجر في وجوه أبطالها ببراميله المتفجّرة فسمّم هواءها ودمّر بناياتها وشوّه جمال سمائها لا تلقّبوها بمدينة الأشباح، حتّى وإن غادرت الشياطين الجحيم واجتمعت كلّها في حلب فلن تكون أبدا مدينة للأشباح.

أنظروا من حولكم حيث تعمّرون، هناك في ثنايا المحاكم و سترون أزواجا تقف صفّا صفّا، عن يمينها و عن شمالها محامون اتّشحوا بالسواد تماما كالأشباح، ينتظرون جميعهم قاضٍ ليبتّ في قضايا طلاقهم.

ارجعوا البصر كرّتين وستكتشفون أنّ الأشباح من حولكم لا تحضن بعضها البعض، تتنافر في الضّراء و تجتمع في السّراء، وأمّا في حلب، هناك في حنايا الألم والظّلم، يسير كهل بخطى ثقيلة وملابس مهترئة إلى جانبه زوجته المقعدة تحتضر في صمت بينما يبحث رفيق دربها عمّن بإمكانه أن ينجدها، يصرخ و يهرول غير عابئ بأصوات الانفجارات التي حاصرتهما من كلّ حدبٍ وصوب، فقد كان العاشق يمنّي نفسه بمغادرة حلب رفقة خليلته.. سويّا.. تماما كما بدءا سويّا وصمدا في وجه الحصار سويّا وفقدا أطفالهم السبعة سويّا.. حتّى إذا ماتت جثم الكهل على ركبتيه ليلبس أميرته حذاءها و?تّخذ لها قبرا ولسان حاله يقول أن كوني حوريّتي في جنّة الخلد لنكمل ما بدأناه سويّا.

الآن عودوا و تأمّلوا مدنكم و شوارعكم، هناك حيث تقف العجائز الحزينة بوجوه مجعّدة وملابس متّسخة أمام عربة جيش رافعات أياديهنّ نحو عسكريّ عبوس يلقي بأرغفة العيش عليهنّ، حولهنّ رجال شرطة قد أمسكوا بعصيّ حتّى اذا ما اقتربت إحداهنّ أكثر من الحدّ المسموح به يفعل التّدافع والمشاجرات ضربوها وأهانوها و هي تصرخ أن المهانة و لا مصير سوريا والعراق.

الأشباح الحقيقية تتدافع أمام المخابز، يعلو صوتها وتتشاجر فيما بينها وتتحمّل صفعات العساكر ولغو رجال الشّرطة في سبيل الظفر برغيف عيش لا يسمن ولا يغني من جوع، الأشباح الحقيقية تئنً فقط إذا ما ارتفع سعر السّكر وتبكي غيابَ الدّعم عن السّلع.

وأمّا هناك أمام أحد منازل الشهباء المحاصرة يقتسم طفل حلبيّ مع ثلاثة من أقرانه قطعة خبز صغيرة رغم الجوع الذي لم يفارقه منذ ستّ سنوات، اي منذ انطلاق أعظم الثورات، يَقْضِمُ قليلا و يُقْضِمُ أصدقاءه قليلا، يبتسمون في وجوه بعضهم البعض ولسان حالهم يقول “حتّى لا نصبح ممّن يطعمهم العسكر متى شاء و يُجوّعهم متى شاء.. أن الحمد الله الذي لم يجعلنا من الأشباح فجعل هدفنا في الكبر العودة الى حلب و تحريرها ولم يجعل “الأسطورة” -بلطجيّ احد المسلسلات الصرية- قدوتنا”.

الأشباح لا تشبه هادي العبد الله ولا تشبه خالد ولا تشبه طراد، فالأشباح لا تهب نفسها فداء لأصوات المحاصرين في حلب ولا تطأ ساحات القتال حاملة مصداحا والة تصوير ولا تتحدّى أعتى الأسلحة ولا أشرس المجرمين في سبيل كشف الحقيقة ونصرة الثورة، الأشباح تتّخذ مقرّا بعيدا امنا بإحدى “ميادين” “العالم” فتصبح “منارة” في تزييف الحقيقة وترقص فرحا للمجازر وتعتلي المنابر فتبرّر الظلم وتقدّس الظالمين وتفتري على شريفات سوريا وتقبّل أحذية المجرمين على الهواء مباشرة.

الأشباح من الصحفيين لا تقف في صفّ الشعوب بل تدير آلات تصويرها ب?تّجاه القتلة فتألّف لهم بطولات خيالية وتتحدّث عن مؤامرات كونيّة وهميّة.

الأشباح لا تحمل طيبة محمد نذير معاذ، طبيب أطفال حلب رحمه الله، ولا تفانيه في انقاذ الرّضع المصابين، الأشباح الحقيقية تطالب بالزّيادة في الأجور وترفض العمل في المناطق الفقيرة في أوطانها كما حصل في تونس ممّا اضطرّ الحكومة الى الاستنجاد بطاقم طبّيّ أجنبيّ.

الأشباح لا ترتدي قبّعات بيضاء ولا تلقي بنفسها خلف البراميل ولا وسط الأنقاض ولا تتّبع صرخات العالقين بين أكوام الحجارة فتنبش بأناملها التراب علّها تنقذ من هو عالق تحت حطام بيته. فكيف يمكن لحلب بعد هذا وأكثر أن تكون مدينة للأشباح وهي التي تروي يوميّا أجمل قصص الغرام وكأنّ قنابل الفسفور التي تستهدفها تمتلئ حبّا لا غازات حارقة. نحن الأشباح ومدننا مدن الأشباح ودنيانا دنيا الأشباح وأمّا الإنسان ففي حلب.

محمد فضل الله الزغلامي
مدون تونسي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها