رقية حمزة تكتب: حلب.. المشهدُ الأخير

وأخيرا ستمر الأيام وننسى ما حدث في حلب ولن تكون سوى ذكرى عابرة كغيرها، لكنها وأهلها لن ينسوا تخاذل المجتمع الدولي، فقبل حلب كانت حماه واليرموك والغوطة وداريا. يتبع

تُظهر حالة التفاعل مع المجازر التي تقع في مدينة حلب السورية، المشهد وكأنه مشهدٌ مفاجئ غير متوقع، أو لعله لم يكن واردًا في الحسبان، بينما تبدي الحقيقة المشهد ذاته بشكل مختلف، فالمجازر كانت قاب قوسين أو أدنى في ظل تتابع الأمور التي كانت تكشف يوما بعد يوم عن مزيد من التعقيد الذي أحاط بالتطورات الميدانية والسياسية في المدينة على حد سواء.

على صعيد المشهد السياسي، لم تكن تصريحات السياسيين تخفي مصير المدينة، فقد تتابعت التصريحات والمواقف خلال الأسابيع الماضية، التي كانت تشير إلى قرب حسم المشهد في حلب لصالح الأسد والذين يحالفونه ضد أبناء شعبه – روسيا وإيران والمليشيات الطائفية-  خاصة في أعقاب الاتفاقيات التي أبرمت بين الدول الكبرى التي تتحكم بمصير العالم والمنطقة، حيث نشر موقع القبس الكويتي ما مفاده- بحسب ما نسب مصادر خاصة- أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري طالب خلال الاجتماع الذي عقد في باريس يوم السبت الماضي على مستوى وزراء الخارجية المعارضة السورية ” بالاستسلام “، وإخراج كل المقاتلين من حلب، كذلك شدد على ضرورة دفع المعارضة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات في جنيف دون قيد أو شرط ، مشيرًا في الوقت ذاته إلى عدم وجود ضمانات لهم في أي شيء.

في ذات الوقت، كشفت مصادر مقربة من المعارضة السورية أن اجتماعاً دار بين المعارضة ومايكل رانتي المبعوث الأمريكي لسوريا في تركيا قبيل أيام من سقوط حلب، وبخ فيه رانتي المعارضة لانسحابها من مؤتمر جنيف 3 ، موضحا أن ما يجري في حلب هو عقوبة أيضاً على عدم فك ارتباط فصائل المعارضة المسلحة مع جبهة النصرة، داعيا المعارضة إلى العودة لطاولة المفاوضات في جنيف دون شروط مسبقة.

العبث الأمريكي بالأزمة السورية لم ينتهِ عند هذا الحد، فقد كشف موقع الخليج أون لاين أن واشنطن عرقلت المفاوضات السرية التي احتضنتها العاصمة التركية أنقرة بين وفد من وزارة الدفاع الروسية وبعض من ممثلي المعارضة السورية، حيث كان الاتفاق الأولي يقضي بخروج عناصر فتح الشام ( النصرة سابقا ) مقابل إعلان الهدنة وإدخال المساعدات الإنسانية بإشراف المجلس المحلي في حلب، وتعهدت موسكو بعدم دخول قوات الأسد والمليشيات الإيرانية إلى شرق المدينة، لكن الولايات المتحدة اقترحت على الجانب الروسي اخراج كافة المقاتلين، ما تسبب في إفشال المفاوضات.

البعض رأى أن إفشال أمريكا للمفاوضات كان بمثابة عملية احتجاج على استبعادها من الاجتماع.

ميدانيا، نجد أن المعارضة السورية انسحبت بعد التقدم الذي أحرزته وحررت من خلاله كامل تراب المدينة ونجاحها في وفك الحصار الذي استمر لسنوات، إضافة إلى بدء ادخال المساعدات الإنسانية، من جهة أخرى شهدت الساحة حالة تناحر بين الفصائل المعارضة المسلحة بدلا من السعي نحو توحيد الجهود ضد نظام الأسد الدموي? ليعقب ذلك بسويعات قليلة هجمات مكثفة من قبل قوات النظام على أحياء المدينة، وشن قصف متواصل بدعم روسي إيراني، وفي غضون ساعات تسقط حلب في يد ميلشيا الأسد من جديد، التي نفذت عمليات إعدام ميدانية بحق المدنيين على مدار أيام.

على صعيد المشهد الإعلامي، ومن خلال متابعتي لوسائل الإعلام الدولية، لم يخفَ علي أنها اتخذت موقفا يخالف كافة المعايير والأخلاق المهنية ولم تلق الضوء بشكل كافٍ على معاناة نحو 100 ألف مدني في حلب وما يتعرضون له، بل ركزت بشكل أكبر على التحركات السياسية الكاذبة، ولم تستمع إلى النداءات الأخيرة لأهل حلب المنكوبين، بل وصل الأمر، إلى رفض عدد كبير من وسائل الإعلام العالمية، تغطية الأحداث الميدانية في المدينة، بحسب شهادات عدد من الإعلاميين، وهو ما يكشف عن محاولات دولية للتعتيم على مجازر الأسد والروس، وقرار بتسليم المدينة ورهن سكانها للمليشيات الطائفية.

بخلاف كل ذلك فإن المشهد الحقيقي والأخير في هذه الأثناء، يؤكد على أن سوريا عامة وحلب خاصة باتت مثل قطعة من الحلوى، تقسم بين المحاور المختلفة، تقتطع كل دولة منها جزءا، في الوقت الذي تستمر فيه على الجانب الآخر عمليات التطهير العرقي والتهجير القسري لأهالي المدينة تحت أعين المجتمع الدولي كافة، في مقدمته دول الغرب، خصيصا الدول  التي تزعم أنها تسعى إلى حل الأزمة، مشهد لامرأة تحمل طفلا وتهيم على وجهها في الحواري والأحياء، وشيوخ عاجزين يقلبون كفًا على كف، وأشلاء أطفال مهملة على الطرقات، أما الزعماء العرب فحدث ولا حرج عن عبث الغرب في مناطقهم العربية وتقسيمها فيما بينهم وهم في حيرة من أمرهم لا يحركون ساكنا ولا يتخذون موقف.

وأخيرا ستمر الأيام وننسى ما حدث في حلب ولن تكون سوى ذكرى عابرة كغيرها، لكنها وأهلها لن ينسوا تخاذل المجتمع الدولي، فقبل حلب كانت حماه واليرموك والغوطة وداريا والكثير من المناطق والمدن، والآن أصبح كل شيء بالماضي ، لكنني ما زلت على أمل أن أرى مشهدا آخر، ونهاية أخرى لحلب وأهلها.

رقية حمزة
إعلامية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها