زيدان عبد الكريم: كيف وُجهت هذه الانتقادات لفيلم العساكر؟!

هذا الفيلم هو أول ضربة في جدار الظلم، وأول صوت يدافع عن العساكر التي يتم قهرها كل يوم في صمت، خلف سور عليه لافتة “ممنوع الاقتراب والتصوير”. يتبع

بعد أن هدأت العاصفة، وبدأ الحديث عن فيلم العساكر إيجاباً وسلباً يخفت، جمعت معظم النقد الذي وُجه لفيلم العساكر، ليس من معسكر أنصار السيسي بالطبع فهؤلاء ضد نقد المؤسسة العسكرية بأي شكل، وإنما من معسكر ممن يقفون ضد النظام العسكري ولكنهم انتقدوا الفيلم لما قالوا عنه: أسباب فنية ومهنية.

وقد قرأت غالبية هذا النقد، وشاهدت الفيلم عدة مرات، ثم قررت أن أكتب هذا المقال لأنقد فيه كثير من النقد الموجه للفيلم.

أولاً: الفيلم لم يضف جديداً … كلنا عارفين الكلام ده!

هذا النقد فعلاً استوقفني طويلاً، ولم أفهمه في بداية الأمر، الفيلم لم يضف جديداً لأننا كلنا “عارفين الكلام ده” … بنفس المنطق، هناك حالات تعذيب في مصر، وبالتالي الحديث عن التعذيب في مصر لن يضيف جديداً لإن كلنا عارفين الكلام ده، التعليم سيء في مصر … هذا معروف … وبالتالي الحديث عن التعليم في مصر لن يضيف جديد، لإننا كلنا عارفين الكلام ده، قصص الحب تفشل غالباً، وبالتالي لا داعي للحديث عن قصص الحب الفاشلة لإننا كلنا عارفين الكلام ده.

“نعم كلنا عارفين الكلام ده لكن لم يستطع أحد أبداً أن يتحدث فيه علانية”، مجرد مشهد في فيلم الإرهاب والكباب أو مشهد في فيلم البريء، قبل عشرات السنوات من الآن، لكن لم يتحدث أحد من قبل عن أن العساكر في الجيش تمارس اللاشيء .. العساكر لا تتدرب ولكنها تقضي يومها كاملاً في “دعك عين الحمام بالفرشة الدوارة” أو “نقل الحجارة من مكان لمكان آخر ثم إعادتها ثانياً” .. العساكر لا تتدرب على الرماية لكنها تجمع الفوارغ .. العساكر لا تتدرب على القتال؛ لكنها تتدرب على العرض العسكري فقط .. العساكر تتعرض للإهانة المتتالية دون سبب بشكل يوصلها للهرب أو الانتحار، هل تحدث أي فيلم عن هذا من قبل.

كلكم عارفين الكلام ده؟! لماذا لم ينشره أحد من قبل؟ لماذا لم يتحدث فيه أحد على الملأ ليضع المرآة أمام المجتمع ليشاهد نفسه، كما قال مخرج الفيلم في حديثه مع موقع ساسة بوست قبل عرض الفيلم، عندما قال أردت أن أحكي حكايات عادية تكون كالمرآه يرى فيها المجتمع نفسه ويكتشف عيوبه التي يتجاهلها.

ثانياً: الفيلم تجاهل تقرير غلوبال فاير باور أن الجيش المصري تصنيفه الثاني عشر عالمياً من حيث القوة

قرأت هذا النقد في بعض المقالات النقدية، وسمعته من أحد الضيوف على شاشة الجزيرة في برنامج الحصاد بعد عرض الفيلم، وهذا نقد سطحي جداً، ويوحي أن من كتبه لم يشاهد الفيلم جيداً.

يعتمد تصنيف غلوبال فاير باور بشكل أساسي على عدد المعدات والأسلحة وعدد الأفراد الموجودين في الخدمة، ومصر لديها عدد ضخم بالفعل من الأسلحة والمعدات المتطورة بسبب المعونة العسكرية الأمريكية التي تأتي لمصر سنوياً.

الطريف أن الفيلم ذكر على لسان الخبير العسكري نورفيل دي أتكين جملة في غاية الأهمية تنسف هذا النقد من الأساس، فقد قال الباحث الأمريكي في بداية الفيلم: “من خلال دراساتي وأبحاثي فإنك عندما تنظر إلى جيش من الجيوش لتقيم قوته، فإنك لا ينبغي أن تنظر لمقدار الأسلحة التي يملكها، بل إلي الثقافة التي يتعامل بها مع السلاح، الثقافة تحدد كل شيء”.

وطوال رحلة الفيلم يشرح المخرج كيف أن هذه ثقافة الجيش المصري في تعامله مع الأسلحة ومع العساكر بائسة تماماً، فالتدريب يتم باستخدام المعدات القديمة المتهالكة بينما المعدات الحديثة يتم تكديسها في المخازن ولا يتم استعمالها، لأن ثقافة الجيش المصري تعتقد أن تكديس الأسلحة يساوي امتلاك القوة، بينما استخدامها يساوي ضياع هذه القوة عند الحاجة إليها، ثقافة بائسة متهالكة لا يضعها موقع غلوبال فاير باور في تصنيفه.

بل والأكثر من ذلك، أن المخرج وضع مشهدا كاملاً على لسان المعلق العسكري في حفل نصر أكتوبر يقول فيه: “إن الكفاءة القتالية هي محصلة تفاعل عنصريين رئيسيين هم الفرد والمعدة، الفرد المؤهل والمدرب تدريباً راقياً على فنون القتال. والمعدة المتطورة الصالحة فنياً والملائمة لقدرات وإمكانيات الفرد ومسرح العمليات وطبيعة المعركة”.

وكأنه يسخر من كل من يتحدث عن المعدات المتطورة التي يمتلكها الجيش المصري التي تضعه في تصنيف عالمي مرتفع، فالفرد غير مؤهل ولا مدرب، والمعدة المتطورة مكدسة في المخازن.

ثالثا: الفيلم لم يعرض الرأي الآخر

هذه نقطة لها وجاهتها، لكنها كذلك صعبة إن لم تكن مستحيلة، ما ذكره مخرج الفيلم أنهم بذلوا قصارى جهدهم لتصوير الرأي الآخر من القيادات العسكرية، حتى أن هناك من سجل مقابلة كاملة ثم طلب حذفها وعدم استعمالها في الفيلم، فالفيلم جريء بشكل غير مسبوق، وكل شخص سيظهر فيه سيعرض نفسه لمخاطرة أمنية كبيرة، هذا ليس فيلماً عن الأمن المركزي ووزارة الداخلية.. هذا فيلم عن الجيش نفسه!

رابعا: الاستعانة بخبير عسكري أمريكي انقطعت صلته بمصر منذ عام 1983

يبدو الأمر غريباً بالفعل، لكن أراه ذكياً كذلك، فالفيلم طوال الوقت عندما يأتي بصورة المنصة التي عليها رئيس البلاد يأتي مرة بلقطة لعبد الفتاح السيسي، ومرة بلقطة لمحمد مرسي، ومرة لمبارك، في إشارة منه أن زمن هذا الفيلم هو بداية من عهد مبارك وحتى الآن، والمتخصص يفهم أن هذه هي فترة ما بعد معاهدة كامب ديفيد، والتي بدأت بتحويل المشير أبو غزالة لدور الجيش المصري من القتال إلى الإنتاج والأعمال الخدمية حتى وصل لما وصلنا عليه الآن.

ولذلك فالملفت للنظر، أن كل ما يذكر الخبير العسكري الأمريكي أنه كان يحدث في الثمانينات لا يزال يحدث حتى الآن، وهو مطابق تماماً لما يريه العساكر في الفيلم بشكل مثير للبؤس، مازال الجيش يكدس الأسلحة المتطورة كما كان يفعل في الثمانينات، وما زال ضابط الصف يشعر بالغيرة من العسكري صاحب المؤهل العالي، وما زالت العساكر تتدرب على العروض العسكرية، وما زال هناك عسكري سيكا في خدمة الباشا الضابط وزوجة الباشا الضابط؛ ناهيك أن هذا الباحث كتب دراسة متخصصة عنوانها: لماذا يخسر العرب الحروب؟! وهو موضوع الفيلم نفسه !

خامسا: الفيلم لم يقدم وثائق وأدلة كما قدم فيلم “موت في الخدمة” الذي أنتجته قناة بي بي سي.

هذه المقارنة هي أسخف مقارنة بين فيلمين قرأت عنها في حياتي، الأمر أشبه بأن تقول: فيلم تايتانك Titanic أفضل من فيلم نادي القتال Fight club.

فيلم موت في الخدمة يختلف تماماً في نوعه وموضوعه عن فيلم العساكر، فيلم العساكر هو فيلم واسع، يبدو أشبه بلقطة واسعة جداً تم تصويرها من طائرة لمعسكرات الجيش، هدف الفيلم هو استعراض ما يحدث فقط، الفيلم هو صورة حزينة تم التقاطها من ارتفاع شاهق يجعلك ترى المكان كله؛ لكنك لا ترى التفاصيل.

أما فيلم موت في الخدمة فهو فيلم استقصائي تفصيلي دقيق، يتحدث فقط في التفاصيل، حالات معينة لأسماء معينة. هل العسكري فلان الفلاني قُتل أم انتحر؟! فيمضي الفيلم في محاولة اكتشاف الجريمة، فهو فيلم يتناول زاوية واحدة ضيقة ويقتلها بحثاً. باختصار فيلم موت في الخدمة هو شرح تفصيلي لخمس دقائق فقط في فيلم العساكر.

فيلم العساكر البطل فيه هو العسكري أياً كان اسمه. لا يهم الإسم أبداً لأن ما يحدث لهذا العسكري يحدث لمعظم العساكر غيره، وبالتالي فأفضل أسلوب يتم استخدامه هو تواتر القصص، عندما يحكي عسكري واحد قصة واحدة، فقد يكون كاذباً. لكن عندما يحكي آلاف العساكر نفس القصة فالقصة صادقة، وبالتالي فإن أنسب أسلوب لتوثيق القصص هو تواترها، لن يستطيع المخرج أن يوثق كم مرة يتم شتم العساكر بأمهاتهم في الجيش وضربهم علي قفاهم بدون سبب، كيف سيوثق هذا أصلاً؟ سيوثقه عندما يسمع نفس القصة بحذافريها من مئات العساكر. ولذلك فقد كان من المستغرب تماماً لي أن بعض الصحفيين والإعلاميين اعتبروا أن الفيلم لم يبذل جهداً في توثيق حكاياته، في حين أن هذا الصحفي نفسه عندما يُنقل له خبر عاجل من مصدرين موثوقين فقط ينشره ويذيعه على الهواء ويعتبره مؤكداً.

أما فيلم موت في الخدمة فهو فيلم يتحدث عن حالات بعينها، يتهم ضباطاً بقتل عساكر، ويذكر اسم الضباط واسم العساكر، ولهذا فإن تواتر القصص لا يكفي هنا، بل لابد من أدلة وأوراق ومستندات، وهو ما برع الفيلم في تقديمه.

لهذا، فالمقارنة بين الفيلمين ظالمة، ولا تصدر إلا من جاهل بمعنى الفيلم الوثائقي أصلاً.

أخيراً

لم أشاهد فيلماً وثائقياً عربياً في حياتي أثار كل هذه الضجة قبل عرضه وبعد عرضه، فيلم وثائقي تحدث عنه الجميع تقريباً. هذا ليس فقط نجاحاً لفيلم ولقناة الجزيرة ولمخرج الفيلم، بل نجاح للفيلم الوثائقي العربي بشكل عام. هذه تجربة تستحق أن تدرس.

أعتقد أن فيلم العساكر سيستمر طويلاً … كل شاب مصري قبل تجنيده سيشاهد الفيلم، وعند عودته من ميدان الرماية دون تدريب سيشاهد الفيلم، وعند عودته من الإجازة بعد أن يكدره (يعاقبه)  الصول فلان سيشاهد الفيلم، سيشاهده لأنه سيحتاج أن يسمع أن هناك من يشاركونه نفس همومه وأحزانه وحياته البائسة.

هذا الفيلم هو أول ضربة في جدار الظلم، وأول صوت يدافع عن العساكر التي يتم قهرها كل يوم في صمت، خلف سور عليه لافتة “ممنوع الاقتراب والتصوير”.

زيدان عبد الكريم
ناشط ومدون مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة