بسيوني نحيلة يكتب: حقوق الإنسان بين الحقيقة والإعلان

ألا فلتعلم البشرية أن أي اعتداء على حق واحد من حقوق الإنسان في أي مجتمع من المجتمعات إنما هو قتل للإنسانية، وتدمير للآدمية، وتحول إلى حياة الغاب والأشباح ونشر للرعب والإرهاب. يتبع

من أعظم الفروق بين الإعلان الأول لحقوق الإنسان في خطبة الوداع النبوية في سنة(632م) وإعلان الأمم المتحدة في سنة(1948م) أن الأول جاء تتويجا لواقعٍ مشهود، واعترافاً بحقائق ملموسة، أقرّ بها القاصي قبل الداني، تجلى ذلك بوضوح قبل عامين من هذا البيان النبوي، وتحديدًا في السنة الثامنة من الهجرة، يوم أن دخل النبي مكة قائدًا منتصرًا، وهو الذي أُخرج منها عنوةً وغصباً، حزينًا باكياً، ها هو يدخلها، ليس بإعلان نظري لحقوق الإنسان، إنما بتطبيق واقعي وبيان حي، فأعلن في جنده الذين بلغ عددهم أكثر من عشرة آلاف قراره: “..من أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن”.

فضَمِن للناس بذلك حق الحياة، والأمن، والاعتقاد، والبقاء في الوطن،… ثم كان قراره عندما خرج الناس من بيوتهم مستسلمين أمامه، تصارعهم ذكريات إجرامهم في حق الإنسانية يوم أن قتلوا سمية وزوجها، وعذبوا بلالًا  وخبابًا، وهجّروا المسلمين من أوطانهم؛ فقط لأنهم أرادوا أن يعيشوا أحرارًا بقلوبهم وعقولهم، ولم يكتفوا بذلك إنما أسرعوا خلفه بجيوشهم إلى المدينة؛ فقتلوا أحب الناس إلى الله وإلى رسوله من الصحابة الكرام في غزوة بدر وأحد والأحزاب … وغيرها، فوجئوا به محترمًا عقولهم وذواتهم يقول: “ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم …قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته:لاَ تَثْرِيْبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ اذهبوا فأنتمُ الطُّلَقَاْءُ”.

كان هذا القول ضمانًا لحريات متعددة منها: حرية الحركة، حرية الاعتقاد، حرية التعبير… وغيرها، ثم لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن حامل لوائه سعد بن عبادة يقول: “الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ الْيَوْمَ تُسْتَحَلّ الْحُرْمَةُ، الْيَوْمَ أَذَلّ اللّهُ قُرَيْشًا” أمر بأخذ الراية منه على الفور، وولّى غيره مكانه، إذ أن مثل هذه الأقوال-حتى ولو كانت إنْفَاذًا لغضب أو تعبيرًا عن فرح- لا تُقبل في أمة غايتها كرامة الإنسان، ومن مقاصدها صون عزته وعرضه، ثم أصدر صلى الله عليه وسلم تصحيحًا يلغي به قول سعد، فقال:”الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزّ اللّهُ فِيهِ قُرَيْشًا”.

وظل هذا فعله مع الناس كافةً حتى تحول العدو فأصبح حبيبًا قريبًا، والمناوئ مدافعًا ونصيرًا. ثم بعد هذا التاريخ المشرق من واقع حقوق الإنسان، وقبل وفاته صلى الله عليه وسلم بشهور كان بيانه الأخير في خطبة الوداع، وحوله 100 ألف أو يزيدون، يخاطب البشرية بقوله: “أيها الناس” يعرض عليهم بنود حقوق الإنسان، “الإنسان الذي أصله التراب”، ويرتل عليهم قول تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”، فأقر الحاضرون بكل بند في بيانه، واعترفوا بتمام تبليغه صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا، وبخاصة عندما قال لهم: “ألا هل بلغت؟ فقال الجميع: نعم. فقال: اللهم فاشهد”.

وبهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الإنسان حقيقة يشهد بها الجميع، ولم يجعله إعلاناً أجوفا يفتقد واقعه الجميع، تمامًا، كحال إعلان الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان (10 ديسمبر1948م) فقد جاء أثناء حروب عالمية طاحنة، راح ضحيتها أكثر من 20 مليون إنسان، وأصبحت القوة والسلاح هما معيار التحكم في حرية الإنسان وكرامته، فتأسست العنصرية والعبودية، وكادت الحياة أن تتحول إلى غابة هوجاء، مما دفع ببعض العقلاء من البشر أن يحاولوا استبقاء ما بقي من آدمية بشرية وكرامة إنسانية عن طريق هذا الإعلان الأممي الذي اتفقت على ألفاظه وعباراته دولٌ وحكومات، ولكنها للأسف نسيت أن تتفق على من هو هذا الإنسان الذي يتحدثون عن حقوقه؟ وما طبيعته؟ ما لونه؟ ما زمانه؟ وما مكانه؟ ما هو دينه واعتقاده؟، إنما تركوا هذا التوصيف مشاعًا تحدده القوى العظمى بمصالحها ورغباتها، متى شاءت، وأينما شاءت، وبالكيفية التي تراها.

 لقد نجحت حوالي 48 دولة في حمل الأقلام من أجل التوقيع على هذا الإعلان، ولكنها فشلت في أن تحمل الإرادة القوية، والسلامة النفسية، والقوة الرادعة في أن تجعله حقيقة لا إعلانًا، وواقعاً لا بيانًا، وحدثًا لا حديثًا! ومن أعجب فضائح الإعلانات الدولية المبنية على الشعارات والعبارات الهلامية أنها تظل خرقاء لا تعي، صماء لا تسمع، عمياء لا ترى، بلهاء لا تفهم، ألا ترى في مثل هذا اليوم من كل عام تسابق الدول ونفقاتها عبر وسائل الإعلام وقنواته المتنوعة لتأكيد التزامها ودفاعها عن حقوق الإنسان، ثم تجد عبر الوسائل نفسها – وربما قبل هذا الإعلان أو بعده- دماء وأشلاء الأطفال الرضع والنساء الحوامل والشيوخ العزل، وتسمع صرخات المستغيثين من لهيب الخوف وآلام الجوع؟ وصيحات الأحرار من خلف القضبان؟ فيتساءل الحيران، أيهما هو الإنسان؟ أهذا الصريع المستغيث؟ أم هذا الباطش الظالم؟ أهذا الذي يتمسك بوطنه وحريته والدفاع عن عرضه وكرامته؟ أم هذا المحتل الغاصب، القامع للحريات، المكمم للأفواه، المغتصب للأعراض، المهلك للحرث والنسل؟.

ألا فلتعلم البشرية أن أي اعتداء على حق واحد من حقوق الإنسان في أي مجتمع من المجتمعات إنما هو قتل للإنسانية، وتدمير للآدمية، وتحول إلى حياة الغاب والأشباح ونشر للرعب والإرهاب، ويزيد هذه البلوى طامة الإعلانات المخدرة، والشعارات الطائشة، والسياسات المتلونة. ولا سبيل للخروج من هذا إلا أن تتحول الشعوب قبل دولها، والأفراد قبل حكامها إلى حقيقة الإنسان الذي خلقه الله حرًا كريمًا، يشعر ويحس ويتألم ويتحرك ويقول ويفعل ويغير ويطور.

دكتور. بسيوني نحيلة
كلية الشريعة الإسلامية – جامعة قطر

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة