كامل بدوي يكتب: يزأر الأسد لكنه لا يلتهم صغاره

أرسل صديق لي صورته أثناء تجواله في مهام عمله، صديقي يعمل بالأمم المتحدة في قوات حفظ السلام، يسافر إلى المناطق المشتعلة من العالم من دون وجل ولا خوف.. يتبع.

أرسل صديق لي صورته أثناء تجواله في مهام عمله، صديقي يعمل بالأمم المتحدة في قوات حفظ السلام، يسافر إلى المناطق المشتعلة من العالم من دون وجل ولا خوف، موقن تماماً بأنه لن يرى إلا ما قد كتب عليه. كل يوم بالنسبة إليه يوم جديد قد ولد فيه، هذا أمر لا ينتبه إليه معظمنا ونعمة لا يستشعر معظمنا بوجودها.

أخذت أتأمل الصورة التي أرسلها، لفت انتباهي شيء ما فيها، كانت الصورة من منطقة دارفور جنوب السودان. جزء من العالم يجهله جلنا ولا يلقي له العديد منا بالاً، منطقة فقيرة بكل المعاني، ما كان ملفتاً في الصورة بالنسبة لي هو تجمع العديد من الأطفال ذوي البشرة السوداء حول صديقي ذو البشرة البيضاء المشربة بحمرة، فهو من أصول تركية، أخذت اتأمل المنظر وأردد مع نفسي (نقطة بيضاء في بحر من السواد)، قد تعتقدون أنني أسخر من أصحاب البشرة السوداء بقولي هذا، أو لعلكم تظنون أنني أميل للتمييز العنصري، إن ظننتم ذلك فقد ارتكبتم اثماً فإن بعض الظن إثم.

علينا أن لا نلقي التهم جزافاً وأن لا نأخذ الأمور بصورتها العامة وأن لا نأخذ القول بظاهره، أنا لا أسخر من أحد أياً كان لونه أو انتمائه أو جنسيته أو أي شيء آخر؛ ففي أول الأمر وآخره هو انسان مثلي، نقطة بيضاء في بحر من السواد حكمة رأيتها في تلك الصورة التي قد تمضي عابرة على الكثيرين.

في الصورة يقف صديقي بملابسه الرسمية مصافحاً إياهم وهو مبتسم، هم بالمثل يفعلون، هم في أوج سعادتهم، يظهر ذلك جلياً من ابتساماتهم المشرقة، يحاولون الظهور بصورة بسيطة بعيدة عن التكلف والتصنع، براءة ظاهرة في أعينهم وردود أفعالهم براءة فقدناها بشكل واضح، لم أهتم باختلاف الألوان بينه وبينهم فبالنسبة لي الإنسان ليس بلون بشرته أو جنسيته ولا بانتمائه لوطن من الأوطان، الإنسان بكونه إنسان.

لفترة ليست بقصيرة تأملت الصورة ولم أكتف من ذلك، سألت صديقي عن هذا الموقف وهل هو موقف عابر بالنسبة إليه؟ أخبرني أنه يفعل ذلك بشكل شبه يومي، يجد مجموعة من الأطفال، يذهب إليهم أو هم من يحضرون إليه فهم من يرونه غريباً عنهم، يصافحهم ويصافحونه وانتهى الأمر بالنسبة إليه، يحدث ذلك مراراً وتكراراً. سألته: هل هناك فائدة من ذلك بالنسبة إليك؟ أجابني بكل ثقة دون أن يمنح نفسه فرصة للتفكير: كلا الأمر عادي بالنسبة لي، يشعرني ببعض الراحة، هنا تأكد لدي ما كنت أفكر فيه، الكثيريون منا يفعلون ذلك، يقومون بأعمال تشعرهم ببعض الراحة وكفى، ثم ماذا بعد ذلك؟ لا شيء، لا شيء البتة، نفعل ما نفعل لكي نرتاح للحظات معدودات فقط. من الطبيعي أن نفعل ذلك ونستمتع بالراحة ولكن هناك صورة أكبر مما نعتقد، فلنتخيل سوياً تلك الصورة، ولنتأمل حياتنا وما نقوم به من أعمال، حتماً كثر منا من يكتفون بالنظر إلى الصورة، مواقف مثل تلك نرى فيها أنهم غرباء عنا، لو كانوا بالنسبة إلينا ضعافاً استأسدنا عليهم، البعض منا سيحاول التقرب منهم بكل الوسائل والأشكال سواء أكانت بطريقة لائقة أو بشكل مهين.

الغرباء عنا نذهب إليهم، نتأملهم ونحاول استكشافهم وكأنهم مخلوقات أخرى لا نعرفها، نتعامل معهم عادة بنظرة متعالية، فوقية، قد لا نحترمهم ولا حتى أنفسنا فنقوم بالسخافات وأسوأ العادات والتصرفات، تختلف تلك النظرة لمن هم أعلى منا، فهؤلاء نحاول أن نعطيهم انطباع بأننا جيدون، إننا مثلهم، نبتسم تلك الابتسامة البلهاء، نشعر بنقصنا عندما نقترب منهم، غريبة هي ردود أفعالنا، ما هو أغرب تصرفاتنا في المواقف.

أعود لتلك النقطة البيضاء في بحر من السواد، ما يقوم به صديقي جيد فهو يدخل الابتسامة على قلوب هؤلاء، هو يفرحهم ويذهب ولكنهم سيظلون يتذكرون ويتحاكون حول ذلك. معظمنا يحاول ويسعى لأن يكون كذلك، نحاول دائماً أن نقوم بالأعمال الخيرة، مهما تغيرت أشكالها وطرقها ووسائلها، نسعى لعمل الخير والمشاركة فيه، حتى من قست قلوبهم منا قد يفعلون ذلك، تلك هي الطبيعة البشرية التي فقدها الكثيرون، فكم في هذه الدنيا من يعيش من أجل المادة فقط دون أي إحساس بما يسمى بنو البشر، كم منا ظلم وكم منا نسى أن كل إنسان هو كيان له قيمته، كم في هذه الدنيا من يعيش لأجل نفسه فقط ومن أجل دائرة اهتمامه فقط أما الآخرون فلا وجود لهم، هذا هو ما قصدته ببحر من السواد.

كم منا يرتكب الحماقات؟ وكم منا يرتكب المعاصي والسيئات؟ وكم منا نسى سبب خلقه وظن أنه في هذا الدنيا ممن اصطفاهم الله؟ كم منا عاش بلا إحساس ولا مشاعر، كم منا عاش وقد تحجر قلبه لتكون كالحجارة أو أشد قسوة؟ كم منا سلب ونهب وظلم وفعل عن طيب نفس ما قد حرم.

معظمنا فعلنا ذلك ولو بصورة يسيرة، بحر من السواد نغوص فيه، لا ينجينا منه إلا رحمة رب العالمين، نقطة بيضاء من الخير قد تنجينا وقد تجعلنا من الفائزين، رحمة ربي واسعة، لا حدود لتلك الرحمة، ومهما كان بحر السواد الذي بين أمواجه نسبح فرحمة ربي أكبر، لا تستصغروا شيئاً من الأمور الجيدة، افعلوا ما تقدرون على فعله، فنحن اليوم أحياء نقدر على الفعل، غداً سنكون هناك وسنطلب من خالقنا أن نعود لنقدم ما تغافلنا عنه، فلنغتنم فرصة وجودنا على هذه الأرض ولنقدم كل ما نستطيع تقديمه، ولو مجرد ابتسامة، فالابتسامة صدقة والصدقة تطفىء غضب الرب، ما زلت ممسكاٍ بالصورة اتأملها وأتأمل تلك الوجوه المبتسمة.

اسأل نفسي: لماذا نقوم بما هو عكس ذلك ولماذا نضع نقطة سوداء في بحيرة بيضاء، أيهما أفضل وأيهما أجمل؟ اتصلت بصديقي وقلت له: لما لا تستغل هذا الأمر وأن لا يكون ما تفعل مجرد روتين.

اجعل ما تقوم به عملاً خالصاً لوجهه تبتغي من وراءه الحسنات، لا تكتفي بنقطة بيضاء واحدة، مهما عظم بحر السواد لا تكترث، نقطة بيضاء قد لا تغير الحال بالنسبة للكثيرين ولكنها أمل، فالخير كثير في قلوبنا وما علينا إلا إخراجه، ابحثوا عن تلك النقاط البيضاء التي بداخلكم وأخرجوها محاولين بها محاربة بحر السواد الذي حفرناه بأيدنا لكي نلقي فيه بأنفسنا، نقتل أنفسنا بأنفسنا دون أن ندري، هذا ليس بصحيح فنحن نعلم إننا نقتل أنفسنا ولكن البعض منا لا يبالي، اخرجوا من أعماق أرواحكم تلك الحقيقة وذلك الخير الموجود بداخلكم وانسوا أن هناك بحر من السواد. نستطيع أن نتجاهل وأن نرى الصورة المشرقة للأمر، صديقي العزيز اريد منك أن تجعلهم يضحكون كما جعلتهم يبتسمون، ولكن احرص على ألا ترسل لي بصورك وأنت تفعل ذلك لأن في طلبي هذا خير لك، ليس بالضرورة أن أشاهد ما تفعل، هناك من يعلم ومن سيجازيك عن كل شيء سواء هنا أم هناك فرحمته ليس لها حدود.

كامل بدوي
كاتب ومدون

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة