حسين عبد الظاهر يكتب:”ضمضم” .. رائد مدرسة التحريض

لم يحفظ له التاريخ أو تسجل له كتب السير كثيرا من المواقف، غير ذلك الموقف الشهير وربما الوحيد؛ حين جدع أنف بعيره، وحوّل رحْلَه، وشق قميصه. يتبع

لم يحفظ له التاريخ أو تسجل له كتب السير كثيرا من المواقف، غير ذلك الموقف الشهير وربما الوحيد؛ حين جدع أنف بعيره، وحوّل رحْلَه، وشق قميصه، ووقف يصرخ في بطن مكة: “يا معشر قريش.. اللطيمة اللطيمة، الغوث الغوث”.

غير هذا الموقف لا تكاد تعثر له في كتب التاريخ على أثر، “ضمضم بن عمرو الغفاري”، استأجره أبو سفيان بن حرب – في السنة الثانية من هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم)- لمهمة محددة، تتلخص في إخبار قريش بأن محمدا (صلى الله عليه وسلم) قد تعرض لتجارتهم، وهي عائدة من بلاد الشام.

 لم يطلب منه أبو سفيان أكثر من ذلك، مجرد “الإخبار”، إلا أن الرجل أضاف من عنده لمساته الخاصة، أو قام بعملية “التجويد”؛ تمثلت في جدع أنف الناقة وتحويل وجهتها والصراخ في القوم بعبارات تنتقص من شأنهم وتنزل بهم العار والشنار إن لم يهبّوا لنجدة كرامتهم قبل أموالهم.

كان بإمكان “ضمضم” أن يُسِرَّ بالرسالة إلى قادة قريش، دون الحاجة لإعلام أهل مكة جميعهم؛ فيتدبروا أمرهم، وينظروا ماذا يفعلون، لكنه أرادها “رسالة إعلامية مدوية”، يسمعها ويراها الصغير والكبير، النساء والرجال، الأحرار والعبيد، ينزل عليهم الخبر كالصاعقة، ولا يبيت بيتٌ في بطن مكة، إلا وقد علم بالخبر الذي أتى به ضمضم بن عمرو.

كان “ضمضم” هذا هو آلة التحريض الإعلامي في صورتها البدائية عند العرب، استخدم كل ما تسمح به البيئة العربية – في ذلك الوقت – من وسائل التعبير والرمزية لتوصيل رسالة إعلامية مؤثرة؛ يدفع من خلالها الناس للقتال، درءًا للعار الذي نزل بقريش.

كأنا بضمضم بن عمرو الغفاري وهو يرى مقاتلي قريش يتجهزون للحرب، يحدث نفسه– أو من حوله – في غبطة مفاخرا “أنا من حرك هذه الجيوش، أنا من أشعل الحرب بين قريش ومحمد، أنا الشرارة التي أوقدت حربا سيسمع بها العرب كل العرب !”.

نرى الآن “ضمضم الغفاري” يغزو الفضائيات، ويسيطر على الصحف والمجلات، ويحصل أعلى نسب المتابعة والإعجاب والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن بأشكال وأنماط وطرق تعبير مختلفة عما سلكه ضمضم قريش وإن كان المنهج واحدا.

تلاميذ “ضمضم” باتوا كثيرين، يشقون الجيوب ويلطمون الخدود ويصرخون اللطيمة اللطيمة، الوطنية الوطنية، ويسعون بين الناس بمنهجهم الاستئصالي، يطلب منهم “محركوهم” أن يصموا فلانا بعدم المسؤولية، فإذا بهم يرمونه بالخيانة، يطلب منهم النقد فيروجون للقتل، يؤمرون بالإشادة بالمسؤول فيذهبون إلى تأليهه.

يقابلك الواحد من هؤلاء فيقدم لك نفسه بـ”أنني الذي فجرت القضية الفلانية” أو “أنا من كنت وراء سقوط فلان في قبضة الأمن”، وتكون هذه القضية التي فجرها أو ذلك الفلان الذي تسبب في اعتقاله، قضية سياسية لخصم سياسي، بل إن من بينهم من قام بتسليم زملاء إعلاميين للجهات الأمنية على الهواء مباشرة خلال برنامجه، معتبرا ذلك عملا مهنيا، ودربا من دروب الوطنية !

 يبشرون بالدم ويروجون للاستئصال “أنا عايز أشوف دم”، “أنا عايز أشوف إعدامات .. لا محاكمات”، “أنا عايز تصفية .. لا تسوية”، يبحثون عن لقطات الاعتداء والسحل والحرق، ويبثونها في إطار العمل الوطني الذي ينهض به مجموعة من “المواطنين الشرفاء”.

حرثوا الأرض ليجعلوا منها تربة خصبة تنبت العداوة والكراهية، وتشجع المستبد لأن يقفذ خطوات متسارعة للأمام في بغيه وعدوانه؛ فبدلا من أن يعتقل، يقتل مباشرة، وبدلا من يحبس، يعدم، وبدلا من أن يصادر يحرق ويغتصب، يحدث ذلك كله تحت غطاء من الإعلام التحريضي الاستئصالي.

كل له ضمضمه

إلا أن الظاهرة “الضمضمية” لم تعد مقصورة على وسائل الإعلام الموالية أوالمؤيدة للأنظمة المستبدة؛ بل تسللت إلى بعض الأحزاب والجماعات والقوى السياسية، التي كان يفترض في خطابها الإعلامي أن يتسم بكثير من الرشد والعقلانية والاتزان.

قد يكون هذا النوع من الإعلام التحريضي من هذه الجماعات أو القوى المعارضة تجاه خصومهم السياسيين (أو من أجرموا بحقهم)، ردة فعل، فتحريض من هذا الطرف يواجه تحريضا من ذاك الطرف، لكن الكارثة أن يمارس هذا التحريض ضد أبناء الحزب نفسه أو أبناء الجماعة ذاتها.

فتجد ضمضمهم بارزا فيما يتاح أمامه من مساحة إعلامية؛ حتى وإن كانت صفحة على “فيسبوك”، ينشر من خلالها منهجه التحريضي، ضد أبناء مدرسته الفكرية أو السياسية؛ فإن لم تُـظهر فُـرقة (بضم الفاء) أوجدها، وإن هدأت فتنة، أشعلها، وإن لاحت في الأفق بوادر مصالحة، أفسدها، وإن انشغل الناس بما هو أهم، أعادهم إلى نقطة الخلاف الأولى، يرى “الفصل” مقدما على “الإحالة للتحقيق”، و”التخوين” أولى من “النقاش”.

ينصّب نفسه أمينا محافظا على قوام الحزب – أو التنظيم – وأفكاره ومبادئه، يستمد وجوده وكينونته من اقترابه من المسئولين؛ فهو المدافع عن الثوابت والقيم، وهو من يتصدى للخارجين على القانون والمارقين.

 لو أدرك أبو جهل أن الخروج لقتال محمد سيكون فيه مصرعه، لاستمع لصوت العقل بدلا من صوت “ضمضم”، وما يزال الكثير من القادة والزعماء والسياسيين والمسؤولين يستمعون لـ”ضمضم” أكثر من استماعهم لصوت العقل، ويكون في ذلك مصرع الكثيرين بمن فيهم “أبو جهل” و”ضمضم”.

حسين عبد الظاهر
صحفي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها