محمد فضل الله الزغلامي يكتب: حال الأغلبية الصامتة

أنظمة مدعومة من الأثرياء لن تجد فريسة أفضل من مجموعة من البشر غلبها اليأس في حياة أفضل فصارت كقطيع تتحمّل الجلد والشتم في سبيل لقمة عيش. يتبع

فَشَلُ ثورات الربيع العربي بات جليّا، ظاهرا للعيان، كالكذب الذي يغطّي أعين الإعلاميين المصريين إذا ما هبّوا صفّا واحدا لتبرير فضيحة من فضائح قائد الانقلاب العسكري في مصر عبد الفتاح السيسي، كذب لم يعد يخفى حتى على أنصار الانقلاب و عبدة البيادة.

فشلٌ انعكست مظاهره بشدّة على الطبقات الوسطى في البلدان العربية، والتي غلبها الإحباط فانصرفت أغلبيّتها على الأقل إلى مشاغلها الشخصية، تضع من توفير قوت العيش همّها الوحيد متناسية على مضض شعارات الحرية و الديمقراطية و حتى حقّها في المشاركة في الحياة السياسية إلى أن صارت تلقّب بالأغلبية الصامتة.

أغلبية صامتة في وجه الذئاب التي تنهش لحمها، صمتها شبيه بصمت عمران ذلك الصبي السوري حين هوت عليه القنابل والبراميل.. فأمّا عمران فقد نالت منه الأسلحة الحربية وأمّا الطبقات الوسطى في البلدان العربية فقد نال منها جشع الأنظمة الفاسدة، أنظمة فاسدة سخّر الأثرياء لها أموالهم وقدراتهم حتى تعود من جديد للحفاظ على مصالحهم وصفقاتهم المشبوهة خاصة في مصر و تونس، ومن يرى غير ذلك فليقرأ عن دخول الجيش المصري سوق المكيفات أو فلينظر مليّا في موقف الإعلام التونسي من قضية “بيتروفاك”.

أنظمة مدعومة من الأثرياء لن تجد فريسة أفضل من مجموعة من البشر غلبها اليأس في حياة أفضل فصارت كقطيع تتحمّل الجلد والشتم في سبيل لقمة عيش، حتّى و إن أثقل مالكها كاهلها، و كاهل الطبقات الوسطى في بلدان الربيع العربية صار أشبه بحلب التي لم تتوقف الطائرات السورية والروسية عن دكّها دكّا، كذلك الطبقة الوسطى، ما من أزمة اقتصادية أو عملية إرهابية أو فشل سياحيّ إلا و طُلِبَ منها الإسراع لحلّها و تحمل وزرها و نتائجها عبر التوجه لصناديق مخصّصة للتبرع، كصندوق مكافحة الإرهاب في تونس أو كصندوق إنقاذ السياحة الذي دعت إلى أحداثه نائبة ببرلمان ثورة 14 جانفي/يناير، وصاحبة إحدى النزل على إثر هجمات إرهابية استهدفت مدينة سوسة.

وأما الرئيس المصري فصار يطالب العمّال ” بالفكة”.. كلّ هذا دون الحديث عن الأسعار التي ما انفكت ترتفع بشكل يومي تماما كضحايا سوريا منذ إعلان الهدنة، كان بودي أن أكون متفائلا وأن أعدد إيجابيات الثورات التي عشناها، لكن فشل الثورة في مصر مثلا، جعل العيش في أحياء القاهرة وأزقتها الفقيرة بالنسبة لمتوسطي الدخل أشبه بالعمل كنادلٍ بأحد المطاعم الفاخرة، تنتظر يوميّا قدوم تلك الشقراء التي أُعْجِبتَ بها حتى تسترق في يأسٍ النظر إليها بينما تبتسم هي في وجه حبيبها، تمنّ عليك ببعض “البقشيش” حين تهمّ بالمغادرة فيطالبك السيسي، عفوا، فيطالبك رئيس عملك بتلك المليمات من أجل فتختار الموت غرقا بدلا عن ذلك.

وأما في تونس فأن تكون ابنا لعائلة متوسطة الدخل تعيش في شوارع العاصمة التونسية العتيقة أو أحوازها بعد الثورة كأن تكون طائرا مهيض الجناح، يحلّق أقرانك من حولك بين البلدان الأوروبية والأماكن السياحية بينما تكتفي أنت بتوزيع “اللايكات” على صورهم في العالم الافتراضي والأدهى والأمر تشاهدهم يسرقون حتى أشياءك الجميلة كأن يجعلون من تلك الملابس رخيصة الثمن موضة فيشاركونك ارتداؤها أو أن يستمع أحدهم داخل سياراته الجديدة الى إحدى أغاني “الراب” التي تتحدث عن الفقر.

في المساء تتخذ ركنا في إحدى المقاهي الشعبية وتنطلق في البحث عن كسب المال عبر المواقع المخصصة للميسر تماما كما يفعل معظم الشباب التونسي.. شباب فيهم من اختار الهجرة الغير الشرعية ومنهم من لم يجد غير المقهى ملاذا ينسيه ولو لسويعات قليلة التفكير في مستقبله المظلم المعالم، و آخرون اختاروا الانزواء بعيدا عن صخب السياسة وازدحام الشوارع ومواضيع المقاهي المكررة فصاروا وحيدين لا يكادون يغادرون غرفهم، ينامون نهارا ويعيشون ليلا حين يصمت كل من حولهم، فحينها فقط يقدرون على تخيل حياة أجمل دون أن يعكّر مزاجهم مقدم الأخبار أو صور المجازر، قد يخلقون شخصيات غير خيالية لا يراها أحد غيرهم، تؤنس وحدتهم قبل أن يطردهم أحد الأطباء النفسيين بتعلة أنّ من يراهم مجنون.

محمد فضل الله الزغلامي
مدون تونسي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة