عبد العزيز مجاهد يكتب: أيها الإخوان .. هاجروا أو موتوا

فالهجرة بهذا المعنى لحظة قرر فيها النبي الكريم أن يغادر حالا مكث فيه ومن آمن به من أصحابه ثلاث عشرة سنة تاركاً خلفه مالاً وأرضاً وأهلاً. يتبع

الناظر في المساحة التي شغلتها هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في السيرة النبوية المنقولة إلينا عبر القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية لا يمكنه أبدا أن يتخيل الهجرةَ مجرد انتقال مكاني من مدينة لأخرى.

الهجرة انتقال من حال لحال ومن أدوات كان يدعو بها الرسول لأدوات أخرى ومن خطاب يُخاطب به الناس إلى خطاب آخر.

فالهجرة بهذا المعنى لحظة قرر فيها النبي الكريم أن يغادر حالا مكث فيه ومن آمن به من أصحابه ثلاث عشرة سنة تاركاً خلفه مالاً وأرضاً وأهلاً.

وبهذا المعنى يمكننا قراءة هجرة مكة إلى المدينة كإجراء مماثل لما قام به الرسول في عامه الثالث من الدعوة يوم وقف فوق جبل الصفا وبدأ في مناداة قريش قبيلةً قبيلة وبيتاً بيتا حتى اذا اجتمعوا له جهر لهم بما كانوا يتخافتون به في مجالسهم لينهي بذلك مرحلة الدعوة السرية التي بدأها في مكة.

وليبدأ مع صحابته الكرام مرحلة أخرى من الدعوة لا يستقيم معها ما كان جاريا في دار الأرقم ابن أبي الأرقم، فالهجرة لحظة يقرر فيها صاحب الرسالة أن ما فات لم يعد ممكناً الاستمرار به، فيغير خُطَتَهُ وتكتيكاته كي يحقق مكاسب جديدة للدعوة والرسالة.

ويتجلى هذا المعنى في لحظة مراقبة رسول الله لجموع الأحزاب وهي تتحرك مبتعدة بعد فشلها في السيطرة على المدينة قائلا ” اليوم نغزوهم ولا يغزوننا “.

والهجرة بهذا المفهوم ليست معنىً إسلامياً فحسب بل هي سنة من سنن الكون، اشترطها الله على من يريد النجاح في هذه الدنيا، والتاريخ مليء بشعوب تغير حالهم من القوة الى الضعف ومن العزة الى الذلة لأنهم ركنوا الى البقاء في حالٍ لمدة طويلة فدارت عليهم سنة الله الماضية.

هذه السُنَّة التي قال الله عنها

(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)

وتطبيقا لهذه السنة رأينا استبدال دولة الخلافة في أواخر القرن السابع الهجري على يد التتار، وقتها كان المسلمون القوةَ الأولى في العالم فشيَّدوا المدن، وبنوا القصور، وفي المقابل، ضعفت جيوشهم وتركوا ما كان لازما للاستمرار في الصدارة، الجهاد.

فطويت صفحتهم، هكذا ببساطة، حينما يتحرك التاريخ للأمام، فلا طريق تسلكه إلا مسابقة ذلك التاريخ والقفز من حالٍ لحالٍ، وقتها تضيق بك الأرض بما رحبت ان قررت المكوث مع المخلفين، وقتها يظهر الرجوع الى مساحات الأمان التي عشت فيها سنيناً خيارا مريحاً، لكنه للأسف ليس متاحا.

والناظر في هبَّاتِ شعوبنا وثوراتها خلال الأعوام الماضية، يدرك أن هجرةً باتت واجبةً على قادتها وساستها، التي ألفت لعقود الجلوس على مقعد المعارضة الديكورية، والتحرك في بضع سنيمترات تركتها لهم الأنظمة، فملايين البشر الذين استنشقوا عبير الحرية ولو لشهور قليلة مع استنشاقهم للغاز المسيل لدموع لن يرضوا أن تعود بهم الأيام إلى سيرتها الأولى.

وأولئك الذين حملوا جثامين رفقائهم الثائرين مازالوا يحملون تلك الذكريات بانتظار هبَّةٍ أخرى، ومن عجب أن نرى أجيالا ممن فوجئوا بأن نبضاً لا زال يسري في شعوب ظنوها ماتت، نراهم يهرولون الى الخلف بعد خسارتهم جولة من جولات الصراع.

يعودون من مكة الى المدينة قبل بدر !

ينظرون للدعوة التي مارسوها لعقود على أنها الحل الأوحد والوحيد للتغيير !

يفصِّلُون التغيير على مقاسهم ومقاس المتاح لهم من الأنظمة، بدلا من أن يغيروا تلك الأنظمة بأخرى على مقاس شعوبهم، ثم يغطون ذلك كله بغطاء الواقعية والتعايش والتوافق، ولو أدركوا لعلموا أن الزمان لن يعود للوراء ولو عادوا هم ومن معهم!

وأن المساحات التي أتيحت لهم سابقا لن ينالوها، ليس فقط بسبب اختلال المعادلة التي طالما ألفوا الحركة معها، ولكن أيضا بسبب أن الناس قد صدقوهم حينما نادوا بإسقاط النظام، وصدقوهم حينما نادوا ببناء نظام آخر، ودفعت بهم ليتقدموا الصفوف ودفعوا معهم الثمن من حبس وقتل وتشريد !

فالثورةُ هجرةُ هذا الجيل التي لا يصح بعدها القعود في ركن من أركان بيت الأرقم.

فالبيت وكل بيوت مكة باتت محرمة على من هاجروا منها لن يدخلوها إلا فاتحين.

عبد العزيز مجاهد
إعلامي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة