جهاد صبحي صالح تكتب: والد معتقل “في ليلة الزفاف”

في يوم عرس ابنته، يجلس في الظلام الدامس كمستقبله المجهول ينظر إلى شباك زنزانته ليرى منها ضوءا خافتا يشبه أمله في الخروج للحياة آت من بعيد. يتبع

في يوم عرس ابنته، يجلس في الظلام الدامس كمستقبله المجهول ينظر إلى شباك زنزانته ليرى منها ضوءا خافتا يشبه أمله في الخروج للحياة آت من بعيد، يتخيل ابنته صغيرته في يوم زفافها الذى يقام الآن دون حضوره ويرسل رسالة قلبية إليها ولو ملك لأرسل قلبه ليكون معها.  

ابنتي حال بيني وبينك الظلم، فرقوا بيننا على ظهر الدنيا أو ربما أظن، لأنني أحيانا كثيره أتساءل هل أنا ما زلت حيا ؟؟!

ابنتي عروسة – هكذا خبروني في الزيارة وأبلغوني بموعد الزفاف!

كم كنت أتمنى أن يغلبني النوم أو أغيب عن الدنيا هذه الليلة فالألم يعصرني والذكريات تكاد تفتك بعقلي.

أذكرك صغيرتي في يوم ميلادك وأولى خطواتك وأول يوم لك في المدرسة وأول يوم في الجامعة.

 كذلك ما زلت أذكر يوم خطبتك كم كنت منفصم، نصف فرح سعيد من أجلك ونصف غيور وقلق من قراري لمستقبلك.  

الآن وأنا في المعتقل أدعو لك وأقاوم دمعتي ولا يصبرني إلا هؤلاء رفقاء الزنزانة فمن عرف بلاء غيره هان بلاؤه وصغر همه وخف حمله.

فهذا شاب تزوج يومين ثم اعتقل وعريس اعتقل في يوم زفافه وآخر تركته زوجته طالبة الطلاق فلم تحتمل.

وهذا رزق ابنا وهو داخل مقبرته حيا فلم يره لم يؤذن له لم يسجله، وهذا ماتت زوجته وهاك أمه وهذا أباه ويأتي الخبر.

الموت والحياه أو الميلاد والزواج والسفر والمرض والنجاح كلها عندنا أخبار نحاول التماسك أمامكم، لكنها الأيام تقسو علينا وتمر على أجسادنا تسحقها.  

تفصلنا عن الحياة جدران صلبة أبواب حديدية صلدة وسلاسل صدئه وحراس كما الأحجار بل أقسى.  

يا أيها القاضي ويا سجاني هل تحيون حياتكم هل تمرحون وتضحكون؟ هل تزوج الأبناء ورزقتم الأحفاد؟ هل حضرتم الأفراح وتقبلتم العزاء؟ هل ودعتم أباءكم قبل الوفاه؟ لن تناموا في سكينة لن تسعدوا في دنياكم ولا أخراكم لن تذوقوا طعم الحياة بعد ظلم اقترفتموه.

تمنعون عنا الحياة كما الأحياء وتحرمون أولادنا كما الأيتام وزوجاتنا كما الأرامل بل أشد فهن حملن الأحمال والأثقال والأعباء وحتى القرارات، يقفن في الأفراح والمآتم ويأتين إلينا يرسمن على وجوههن ابتسامة ويصطنعن إشراقة الوجوه ويتجملن بالصبر.  

رسالتي ليست إلى الظالمين فهؤلاء وكلت وفوضت فيهم أمري إلى الجبار، وليست للمفوضين ولا الراضين المتذللين ولا للخائفين الراكنين فأولئك حسابهم عند الله ولعلهم الآن يذوقون.  

رسالتي إليك ابنتي، ربما حرموني منك في ليلة الزفاف لكن في رفقتك نصائحي وما ربيتك عليه يحفظك الله بحفظه فتمسكي بطريقه لن يضيعك أبدا.

إليك زوجتي ورفيقتي حفظك الله ورعاك، هكذا عهدتك قوية في الشدة رقيقة المشاعر محبة مخلصة أدعو لك ولا أملك غير الدعاء ولعل قلبي كل يوم يرسل إليك رسائل الشوق وهمسات الود.

وإليكم أيها الصامدون الثائرون على الأرض والصابرون المحتسبون في المعتقلات حسبكم الله ووكيلكم ونصيركم فمن معه الله فمن عليه.

أنا الآن في زنزانتي الحقيرة الكئيبة في لهيب الحر لا أملك الورق ولا القلم لكن هذا خيالي يسطر على الهواء كلماتي علها يوما تمس قلوبكم أحبابي وتخفف عنى ألم الفراق وتمسح دمعى وتطفئ لهيب قلبي.
 

جهاد صبحي صالح
مدونة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة