محمد سرحان يكتب: طي النسيان إلا قليلا

نتيجة لهذه الانتقائية الإعلامية العربية أو هذا الاهتمام المناسباتي بواقع الأقليات المسلمة، بات هناك جدار بين المسلمين في البلدان العربية وإخوانهم في الأقليات.. يتبع

محمد سرحان ـ صحفي متخصص في شؤون الأقليات الإسلامية

عندما تُذكر كلمة “الأقليات المسلمة” يتبادر إلى ذهن المستمع أو القارئ ذلك النحيب وتلك البكائية المرتبطة بواقع الأقليات المضطهدة من المسلمين، كما هو الحال في بورما أو إفريقيا الوسطى أو تركستان الشرقية التي تطلق عليها الصين إقليم “تشينجيانج”.

لكن الأذهان في مجملها لم تتجه عند ذكر هذا المصطلح، مثلا إلى مسلمي البرازيل أو تايلاند، ومرجع ذلك أن الاستراتيجية التي أسست لها أكثرية وسائل الإعلام العربية، في تناول قضايا الأقليات المسلمة ترسخت من خلالها هذه الصورة الذهنية المرتبطة بواقع الأقليات المسلمة المضطهدة فحسب.

ولم تشر وسائل الإعلام في أغلبها إلى تلك الأقليات المسلمة التي حققت نجاحا ملموسا في التعايش والاندماج في المجتمعات التي تضمها، وهو ما تسبب في ترسيخ صورة ذهنية بشكل غير مباشر، ساهم الواقع المضطرب لأغلب بلداننا العربية في صبغها بالمصداقية أو باتت كما لو أنها حقيقة مجردة، هذه الصورة مفادها أن المشكلة في المسلمين أنفسهم أينما وُجدوا، وبالتالي في الإسلام.

كما لم يؤسس هذا التناول الإعلامي وانطلاقا من واقع الأقليات المسلمة في ميزان الإعلام العربي، لحقيقة أن هؤلاء المسلمين وإن كانوا يعيشون على أطراف الأمة، إلا أن لهم بلا شك حق في تسليط الضوء على آمالهم وآلامهم؛ فبعضهم لديه نجاحات كبيرة في التعايش والاندماج بالمجتمعات ما سهل لهم تقديم الصورة الحقيقية للإسلام إذ توفرت لهم البيئة الخصبة ومن هنا وجب على الإعلام العربي نقل هذه التجارب إلى الأقليات الأخرى للاستفادة منها، وآخرون منهم لم تتوفر لهم البيئة المناسبة للتعايش، وهؤلاء لهم حق على هذا الإعلام في إبراز معاناتهم وتهميشهم سياسيا واجتماعيا وحتى إنسانيا.

ونتيجة لهذه الانتقائية الإعلامية العربية أو هذا الاهتمام المناسباتي بواقع الأقليات المسلمة، بات هناك جدار عازل إلى حد بعيد ما بين المسلمين في البلدان العربية والإسلامية، وإخوانهم المسلمين في الأقليات، الذين يشكون من ضعف الدور الإعلامي العربية في تسليط الضوء على واقعهم، وهو ما جعل أجيالا كاملة من أبنائهم يفتقدون الشعور بالانتماء إلى أمة إسلامية واحدة.

ونحن عندما نتحدث عن الأقليات المسلمة، نعني بهذا المصطلح، كل مجموعة بشرية تعيش بين مجموعة أكبر منها، وتختلف عنها في كونها تنتمي إلى الإسلام.

ويجب أن نشير إلى أن قطاعا غير قليل من أبناء الأقليات المسلمة لاسيما هؤلاء الذين يعيشون في أوروبا والولايات المتحدة، لا يروق لهم استخدام مصطلح “أقلية” عند الحديث عنهم، وحجتهم في ذلك أنهم مواطنون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات كباقي أبناء الدول التي يعيشون فيها، وهم وإن كانوا محقين في ذلك، لكن هذا لا يمنع أن هناك مجموعة من أبناء الأقليات المسلمة يعيشون في بلدان أخرى يعانون اضطهادا وتهميشا وحرمانا من أبسط الحقوق الإنسانية.

فالأقليات المسلمة حول العالم تعيش في إطار النسيان لا سيما وأنهم يتعرضون لتحديات عديدة، خاصة لو تعرضت الدول التي يعيشون فيها لاضطرابات أو اعتداءات إرهابية، يجد المسلمون أنفسهم هم المتهم الأول، وأنهم مُجبرون على تبرئة أنفسهم من أعمال لا يعترفون بها ولا يُقرها دينهم في الأساس، ويبقى هؤلاء المسلمين وحدهم ضحية للإعلام التحريضي الغربي في ظل غياب أي وسيلة إعلام مسلمة أو موضوعية تخفف وطأة الحملة التحريضية ضدهم وسط تصاعد الإسلاموفوبيا.

وعلى اختلاف الألسنة وتباعد الأوطان، فإن المسلمين بحاجة إلى الشعور بأن همهم واحد، لكن هذا لن يتحقق إلا أن عندما يشعر المسلم في أسيا بهموم أخيه في أوروبا أو إفريقيا والوطن العربي، وما لذلك من قوة روحية وأخوة واقعية بين المسلمين، لاسيما وأن المراجع العربية حول واقع الأقليات المسلمة قليلة للغاية، بينما المراجع الغربية فهي على كثرتها فإنها في أغلبها منحازة وتعرض وجهة نظر واحدة.

بقي أن ندرك أن الأقليات المسلمة حول العالم قوة حقيقية ولكنها مُهمَلة، وفي أحيان كثيرة منسية، حتى باتت أجيال عديدة من المسلمين الذين يعيشون على أطراف الأمة، طي النسيان إلا قليلا.

———————————————————–

محمد سرحان – صحفي متخصص في شؤون الأقليات المسلمة

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة