مدونات

وليد الصايغ يكتب: فيس و ليلي !

سرقنا الفيس ولا شك من علاقات جميلة مع الأهل والأحباب، جذبنا الفيس الجذبة الكبرى, وإن شئت قل الكذبة الكبرى !. يتبع

سقى الله أيام الصبا التى كنا ننتظر فيها بمنتهى اللهفة والشوق رسول العشاق، سفير الأشواق،”البوسطجى” وهو يحمل لنا رسالة من الحبيب، كم كنا ننتظر الأيام ونسهر الليالي فى انتظار الرد والجواب.

 أذكر في أيام الشباب والحب الأول  كنت أتبادل الرسائل مع فتاة خارج مصر،  وكانت الرسالة الواحدة عبارة عن بضع عشرة ورقة من حجم الفلوسكاب، وفى مرة لم أتمكن من كتابة هذا العدد من الأوراق فاتهمتني فتاتي أن مشاعري تغيرت!!

شباب هذه الأيام لا يعرفون تلك اللوعة، فالمنظومة كلها تغيرت والـ sms  اختصرت الحدود والزمان، ففي اللحظة نفسها التى تبث فيها أشواقك يأتيك الرد سريعا، ولكنى أكاد أجزم أن الصدق فى أيامنا كان أكثر وأكبر والشوق أحلى.

والآن، أنت يا صديقى  فى اللحظة نفسها التى تحادث فيها فتاتك عن طريق الـ chat  لا تعلم يقينا كم من الشباب تخاطبهم معك أو تخاطبهم فيك، أو تخاطبك فيهم، والأمر نفسه بالنسبة للشباب من يحادثون الفتيات، فالأمر يتوقف على المهارة فى سرعة الكتابة وليس صدق المشاعر، واذا ما انقطعت الكهرباء أصاب الحب السكتة الاليكترونية !

 الحب فى أيامنا تلك كما يقولون صار مثل طهى الطعام، فكما أن الطاهية الماهرة تطهى أكثر من نوع فى وقت واحد، هذا على العين الكبيرة، وذاك على العين الصغيرة، وذلك فى الفرن ! وهكذا تسير المحادثات بين الشباب وأنت لا تدرى هل مكانك على العين الكبيرة أم على نار هادئة أم تحت الشواية !

يأخذنى الحنين إلى أيام الالتزام الأولى فى أولى جامعة كلية الحقوق، حين تعرفت على مسجد فضيلة الشيخ أسامة عبد العظيم وأنا الشاب الرياضى المغرم بالشعر والكتابة، ولكنى وجدت فى رحاب هذا المسجد لذة أكبر من لعب الكرة وكتابة الأشعار، وسائر اللذات، تذوقت لذة القرب من الله، ومع صديق يكبرنى بعامين كانت الصلاة الطويلة فى الليل، يحفظنى القرآن، ونقوم الليل سويا، ونبكى لله معا، وقبل الفجر بنصف ساعة ننشغل بالاستغفار ونمر على أصدقائنا فى منازلهم، نطرق أبوابهم ليصلوا معنا، ولم يكن يهمنا تأفف البعض بل نتقبله برحابة صدر وطيب نفس، وبعد صلاة الفجر نجلس فى المسجد حتى شروق الشمس منشغلين بقراءة القرآن والذكر والدعاء حتى صلاة الضحى ونخرج بانشراح لا يعلمه الا الله كأن الشمس أشرقت فى صدورنا .

الحذر من إفشاء أسرار البيوت أو تفاصيل الحياة الزوجية بدعوى مشاركة تلك اللحظات مع الأصدقاء، فلقد نقلتا العالم الأزرق لدنيا مكشوفة نصور فيها زوجاتنا وأولادنا وطعامنا وشرابنا ومشاعرنا

أين هذه الأيام من أيامنا تلك، ننام ونصحى والهواتف بين أيدينا لا قيام ليل ولا ذكر ولا قرآن، ولا فجر ولا جلسة الإشراق، بل ربما نستيقظ بعد شروق الشمس ولا يفزعنا ضياع الفجر، بل أول ما نفزع إلى الانبوكس والـ notification .

وما أبريء نفسي، حتى وأنا أكتب لك هذه الكلمات عزيزى القارىء أسارق النظر إلى فيسبوكى لمتابعة الجديد فيه.

سرقنا الفيس ولا شك من علاقات جميلة مع الأهل والأحباب، جذبنا الفيس الجذبة الكبرى, وإن شئت قل الكذبة الكبرى !

فالكل يرفع شعار أنا لا أكذب ولكنى أتجمل، هذا يلبس ثوب الزاهد،  والآخر ثوب الحكيم، والثالث ثوب العاشق، والرابع يخلع ثيابه كلها ليغرى امرأة بالفحشاء، وهذه تدعى الفضيلة والعفة وهى أبعد ما تكون عنها، كل شيء وارد فى زمن الـ past &  copy.

أسماء وهمية، وصور ليست حقيقية، ومشاعر زائفة فى عالم افتراضى نتبادل فيه أدوار الصديق والعاشق والخائن والنذل.

واذا سلمك الله من هذه الشرور ونويت أن تدخل الفيس بنية الدعوة إلى الله فلا أخالك تنجو من العجب، وطلب المدح من الناس، وانتظار “اللايكات” والتعليقات وإن كنت تقول بلسانك تعس عبد اللايك، فان قلبك قد أشرب حبها والفرح بكثرة المعجبين والمشاركين لمنشوراتك، ولقد رأيت بعينى الغيرة بين طلبة العلم والتنافس بينهم على كثرة المعجبين والمتابعين.

ناهيك عن حالة الإشباع الوهمي التي تصيبك إذا ما كتبت مثلا منشورا عن قيام الليل وتنهال عليك مئات اللايكات وعشرات التعليقات فتزهو نفسك وتنتفخ وأنت في الحقيقة لا تقوم من الليل إلا ركعتين بعد صلاة العشاء فى المسجد، ما أكثر حالات الفصام فى العالم الأزرق فتجد الواحد (ة) له أكثر من حساب بأسماء مختلفة فهذا الحساب خاص بالمنشورات الدينية والاجتماعية والحساب الآخر السري.

فكم ممن أطلق على نفسه داعية، وهو فى العشق داهية

على العام ابن القيم وابن كثير، وعلى الخاص أبو العتاهية

استقيموا يرحمكم الله فلكل  حساب على الفيس حساب طويل بين يدى الله يوم القيامة،  فاللهم اغفر لنا واسترنا.

الخلاصة الحذر الحذر من هذا العالم الأزرق،  الحذر من تضييع الأوقات والمسئوليات لأجل الشهوات والإعجابات.

أخى القاريء الحذر من إفشاء أسرار البيوت أو تفاصيل الحياة الزوجية بدعوى مشاركة تلك اللحظات مع الأصدقاء، فلقد نقلتا العالم الأزرق لدنيا مكشوفة نصور فيها زوجاتنا وأولادنا وطعامنا وشرابنا ومشاعرنا، فهذا يشعر بالسعادة، وهذه تشعر بالغرام، وذاك يشعر بالصفاء مع الله، أخشى أن يأتى اليوم الذى نقرأ فيه فلان يشعر بالإخلاص، وفلانة الآن تؤدى صدقة السر!!

الخلاصة الحذر الحذر من هذا العالم الأزرق،  الحذر من تضييع الأوقات والمسئوليات لأجل الشهوات والإعجابات.

تخيل نفسك لو كنت طفلا صغيرا وأبوك أو أمك مشغول عنك طول الوقت بكتاب، كيف يكون شعورك ؟! غالبا تشعر بالضجر وتعانى الإهمال والتهميش والضآلة، الشعور نفسه الذى تشعر به زوجتك أو طفلك وأنت طول اليوم مشغول بالـ “tab” ,  لا فرق بينه وبين الكتاب سوى حرف الكاف، فأضف إلى حرف الكاف حرف النون و ” كن ” عبدا ربانيا قائما بالمسئولية، لا يشغلك الـ “فيس” عن الصلاة فى أوقاتها، وقراءة القرآن، والذكر، وعملك، والجلوس مع أهلك وأولادك، وبر الأب والأم، وصلة الأرحام، ولا بأس أن يكون للفيس وقت بعد كل هذا، هكذا يفعل العقلاء، فلا تكن مثل قيس” المجنون ” وليلى، ولا فيس وليلى .

وليد الصايغ
محامى ومدون مصري

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة