فاطمة المهدي تكتب :سفينة التضحية

إذن ..فقد آن أوان الرحيل ..
قالتها بنبرة حادة لا تخلو من صرامة وإصرار فجاءت كلماته مستنكرة ..يتبع

حلقة جديدة من سلسلة علمني كيف أحبك 

-إذن ..فقد آن أوان الرحيل ..
قالتها بنبرة حادة لا تخلو من صرامة وإصرار فجاءت كلماته مستنكرة :
-ماذا تعنين؟
-أعنى أن تترك البيت وترحل….أعتقد أن هذا أفضل لى ولك فى الوضع الحالى حتى لا يتأزم الموقف أكثر من ذلك
لم تصل باقى كلماتها إلى مسامعه ..لم يميز ما نطقه قلبها بعد حروف كانت هى القاصمه ..لم يستطع حتى أن ينظر إليها بل لم يجد ما يجيب به وكأن الحروف قد توقفت فى منتصف حلقه فلا منها تحررت ولا منه ابتلعها إلى باطنه.
لم ينتظر حتى يجادلها أو يناقشها حتى لا تفهم محاولاته بصورة خاطئة ولم يكن منه بد إلا أن بدأ العمل على الفور ..فتح خزانة ملابسه وضع فى حقيبته كل شئ تصل إليه يداه..ملابسه..جواربه..زجاجات عطره..أوراقه الهامه وغير الهامه..صوره وصور أبنائه..ثم التفت فوجد صورتها القابعة فوق مكتبه متجسدة فى هيئة شخص قد ظن يوما أنه يعرفه..أشاح بوجهه عنها ..ثم أكمل رحلة جمع أغراضه..لملم بقايا وريقات هنا ومذكرات هناك..فتح حقيبة مستقلة ليلقى فيها ما تبقى من حياته وعالمه..كتبه التى يعشقها حد الجنون..هدايا من أصدقائه..ملفات تخص عمله.. ثم توقف قليلا أمام هداياها التى ملأت حيزا لا بأس به من الغرفة وكأنها تصر أن تكون شاهدا على قصتهما التى قد بدأ فى النفور منها..تجاهل كل شئ أهدته إياه..خلع ساعة يده ..ترك زجاجة العطر التى فاجأته بها فى يوم مولده السابق..برواز ضخم يحمل شهاداته معلق على الحائط إستخرج منه ما يخصه فقط وتركه وحيدا فى مكانه…أخرج من حقيبته سكينا صغيرا للرحلات  أصرت على شرائه له فى إحدى رحلاتهم تركه لها فى خزانتها   ..طقم للمكتب يحوى أربعة أقلام قد ابتاعته خصيصا من الخارج فى ذكرى زواجهما وقد حفر على كل قلم الحرف الأول من إسميهما.. فتح أدراج جميع الخزانات لينتشل منها كل قطعة قد تمثله..لم يكن يسعى لإحراجها بعدما تفوهت بما قالت..ولم يكن ينتوى إثارة تساؤلاتها هل حقا سيرحل رحيلا نهائيا أم أنه سيعود..جل ما كان يهمه حينها ألا تتألم بسببه أى قصيصة بمكوثها فى ذلك البيت.

على صعيد آخر وفى الغرفة المجاورة كانت تجلس مع ولديها لعلها تستطيع صرف انتباههم عما يحدث وهم يتساءلون ماذا حدث يا أمى..ولماذا سيرحل أبى ..لم يكن لديها إجابات ..لأنها حتى تلك اللحظة لا تعلم كيف تجيب وكأن الإجابة قد حجبت عنها ولم تعد قادرة على فهم ما يحدث وكيف تطور الوضع بصورة سريعة حتى انغلق عليهما مثل باب متاهة قد أحكم غلقه ولا يعرفون أين الطريق ومن أين الخلاص.

أفاقت من أفكارها على وقع خطواته وصوته وهو ينادى أبناءه ليودعهم..جثم على ركبتيه ..إحتضنهم كأنما لم يحتضنهم من قبل ثم أخذ فى تقبيلهم حتى توسلت إليه عبراته ليطلقها لكنه قام بسجنها حتى أرداها قتيلة بين مقلتيه..تناول حقيبتيه ثم غادر من فوره دون أن يلقى عليها الوداع الأخير.
لم يعرف أين يتوجه وماذا يفعل ..قاد سيارته إلى المجهول ثم عاد به شريط الذكريات إلى الوراء كأنما يؤنبه ليمعن فى تعذيبه بعد ذبحه..
تلك الأنثى الناعمه الرقيقة التى سلبت قلبه ..ضحكاتها ..كلماتها..وغمازتين على طرفى وجهها ..وابتسامة سمراء تعلو شفتيها..رداء ملائكى ..تاج يزين رأسها ليتوجها ملكة على عرش مملكته..أصوات غناء وفرح ..زغاريد النساء يعلو صوتها ليشق عنان السماء..طبول تقرع لتؤذن بفجر جديد..أهل وعائلة وأصدقاء..والديه وفرحة غامرة بولدهما الذى أصر على عدم الزواج إلا من حر ماله..أمها التى كانت لها كظلها وكأنها ستذهب ولن تعود  ..أباها الذى قال له بعد عدة جلسات ونقاشات ومناوشات أنه يشترى رجلا..وأنه له بمثابة الإبن الذى لم ينجبه..وجهها الطفولى الذى ابتسم خجلا عندما أوصدا باب منزليهما.
لماذا؟
باغته السؤال كعاصفة صحراوية لتكمل على ما تبقى من عقله..
نعم..لماذا؟
لماذا حدث ذلك..لماذا وافقت منذ البداية؟
لماذا تنازلت فى حق من حقوقى؟
لماذا استسلمت لهم؟
لماذا لم أصر على موقفى؟
لماذا كانت لدى شقتى التى استأجرها لكنهم أبوا إلا أن تكون لى شقة أتملكها حتى يضمنوا حقوق ابنتهم فوافقت..تعبت..وسهرت..وكافحت عرقا ودما من جسدى وجهدى ووقتى لثلاثة أعوام متتاليه حتى ابتعهتا والمثير للسخرية أنهم فى النهاية لم يوافقوا بها بدعوى أنها ليست فى نفس ذات الحى ..و لأنها لا ترقى إلى مستوى الفيلا التى يسكنون فيها..رغم أن شقتى كانت فى حى راق ورغم أننى قد حاولت الأمرين حتى أصل إلى مبتغاهم..إلا أنها لم تعجبهم فى النهاية وكانت كلمة والدها التى لا ينساها:
-يجب أن تعيش ابنتى فى نفس المستوى الذى تعيش فيه الآن..يجب أن تتوفر لها شقة بها جميع مواصفات الشقة التى نسكن فيها ..ومالذى يجعلكم تقيمون فى منطقة بعيدة ولديها شقتها فى نفس المنزل معنا  ..نحن وأنت واحد يا بنى وأريد ان أطمئن على ابنتى وتريد والدتها أن تكون معها كل يوم فهى ابنتنا الوحيده ..
لماذا لم أصر على موقفى أو أنهِ كل شئ عندما رفضوا…
لماذا رضخت أمام رغباتهم وقدمت تنازلات كنت أظن يوما أنها سترضيها وترضيهم .
ذلك الحب اللعين الذى يجعلك تتنازل ظنا منك أن ما تقوم به هو التضحية بعينها حتى انتهى بى المطاف فى منزل والد زوجتى ..منزل لا أشعر فيه براحتى ولا أنتمى لأى قطعة أثاث فيه..فى كل ليلة تزداد غربتى وتتسع الهوة بينى وبينها…أتناول طعاما يجلبه لنا  والدها لأنها كانت تتناول هذا الطعام فى منزله..يدخل بيتى أشخاص لا أعرفهم ينظفون غرفتى ويحملون ملابسى ويختلطون بأبنائى..فقط لأن والدتها قد اختارتهم..أعيش بنظام حياة أهل زوجتى ..ورغم هذا صبرت وكنت أعلل نفسى بأن ذلك لمصلحة زوجتى وأنها ستكون أكثر راحة هكذا وأن سعادتها تعنى سعادتى وأننى أنا وهى شخص واحد .
قطع حديثه مع نفسه صوت الهاتف وجد رقم والدها فكر ألا يجيب لكنه مع آخر جرس فى صوت الهاتف قرر أن يتخذ موقفه الذى لا رجعة فيه:
-سلام عليكم
-عليكم السلام ..ما الذى حدث يا بنى
-لا شئ 
-كيف وابنتى تقول أنك قد تركتها وغادرت
-بل هى التى طلبت منى الرحيل ..لقد طردت من شقتها 
-لا تقل ذلك يا بنى لا فرق بينكما
-بل هناك فرق 
-صدقنى هى لم تقصد أن تسئ إليك..فقط كانت تسعى لتهدئة الأمور بأن يبتعد كلا منكما عن الآخر بصورة مؤقته
-بقصد أو بدون لقد تمت إهانتى وقامت ابنتك بطردى ولن أستطيع استرداد كرامتى أمام نفسى إلا باتخاذ إجراء يرد إلى ما تبقى منها
-هدئ من روعك فلتأت لنتحدث 
-عذرا يا عماه ..لن آتى ولن أتحرك قيد أنمله..إبنتك تعرف طريق شقتنا التى كنت سأبدأ فيها حياتى معها ..
-لكن يا ولدى كيف ستعيشون فيها وهى فى منطقة بعيدة ..تبعد عن بيتى وعن مدرسة أبنائك 
– فلتعش معى فيها مثل أى زوجة تدبر أمورها بما يتلاءم مع ظروف زوجها ثم إن تلك مشاكلنا التى سنقوم بحلها سويا ..أو لست أنا الرجل وأنا المسؤل عن توفير منزل الزوجية
-بالطبع ..لكن ..
-لا يوجد هناك لكن..فليوضع كل أمر فى نصابه الصحيح ..ولنبدأ حياتنا من جديد فى منزل أكون أنا المسؤل عن توفير كل ما يلزم الأسرة فيه..ولتكن هى الزوجة المسؤلة عن رعاية أبنائنا والاهتمام بشؤنى..أما إن أردت أن تحدثنى فى غير ذلك فأنا أعتذر منك فليس لدى ما أقوله..أنت رجل مثلى وتعلم ما أتحدث عنه وتدرك حتما ما يشعر به الرجل عندما تهان كرامته ..حتى وان كان عن دون قصد.

أغلق الخط ..أسند رأسه على مقعده وكأنما أزيح الجبل أخيرا من فوق صدره..ثم حدد وجهته التى لم تعد مجهوله وقاد سيارته إلى حياته الجديدة..حيث الحرية تفتح ذراعيها وعالم جديد ينتظره وكأنما ولد من جديد.

 

خبيرة اجتماعية ومستشارة أسرية مصرية

 

 

 

 

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة