عارف الأحمدى: ربيعنا 5 سنوات من التضحية والتحدى

مثل الربيع العربي مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة العربية، وذلك لأنه فرض واقعا سياسيا في هذه الدول تفاءل به البعض، وتآمر عليه أخرون. يتبع

  عارف الأحمدي / مدون يمني

منذ العام2011 شهدت المنطقة العربية أحداثا متسارعة وغير مسبوقة بدأت بحادثة في مدينه سيدي بو زيد التونسية؛ حيث قام الشاب بوعزيزي بإحراق نفسه أمام مبنى البلدية احتجاجا على المعاملة السيئة له من قبل السلطات في البداية.

لم تلق الحادثة اهتماما كبيرا في الشارع العربي؛ ولكن سرعان ما تحولت هذه الحادثة الى انتفاضة في الشارع التونسي، واندفاع لاإرادي من قبل الشعب بكل مكوناته.

لم يكن الهدف إسقاط نظام بن علي؛ ولكن الطريقه التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية ضد الشعب حولت المطالب المعيشيه والحقوقية إلى مطالب سياسية.

وبدأت الجماهير تطالب بسقوط نظام بن على وكان لها ما أرادت؛ حيث انحازت المؤسسة العسكرية لمطالب الشعب؛ حينها أدرك بن على أنه لا مجال للمساومه والعناد؛ فقرر الهروب عندما وقف الشارع العربي والعالم أمام ثورة الياسمين في حاله انبهار وإعجاب للشعب التونسي بالمقابل كانت الأنظمة العربية في حالة من الصدمه والحيرة لما حصل.

بعدها بأيام بدأت الجماهير العربية تشعر بحاله من الثقة والتطلع لغد أفضل, وبدأت بكسر حاجز الخوف والصمت, حيث أدركت أنه ليس هناك مستحيل؛ حيث تسارعت الأحداث وانتقلت إلى مصر حيث كان الإيقاع ونبض الجماهير أكثر زخما وتوهجا، وكان شباب وشابات مصر أكثر اندفاعا مستلهمين ومستمدين قوتهم من ثوره الياسمين. وبالمقابل كان النظام المصري أشدعنادا وأشد بطشا من سابقه، وواجه تحركات الشارع بكل قوة وحزم، واستخدم كل اساليب القمع؛ ولكن إرادة الشعوب لا تقهر. وتكرر المشهد حيث انحازت المؤسسة العسكرية لمطالب الشعب؛ حينها أدرك مبارك أنه لا مفر من تلبية مطالب الشعب بعدها أصبح الشارع العربي أكثر إصرارا، وأكثر ثقة وإيمان بأن الغد هو الأفضل حينها.

تكرر المشهد ذاته في ليبيا واليمن؛ ولكن بدأ المشهد يختلف عما حصل في مصر وتونس ؛ حيث واجه نظام القذافي انتفاضة الشعب بكل أنواع الأسلحة حتى الطيران الحربي مما استدعى تدخلا أمميا، ووضعت ليبيا تحت البند السابع وتم إسقاط نظام القذافي بعد تضحيات كبيره وتدخل خارجي . 

أما في اليمن فقد خرج اليمنيون ينشدون ذات المطلب، وتكرر المشهد نفسه؛ من حيث مواجهة الشارع المنتفض عبر استخدام الحل الأمني والقوة؛ ولكن هذه المرة اختلف المشهد اليمني تماما، وتمثل في انقسام على كل المستويات؛ حيث انقسم الشارع إلى شارعين، وانقسمت المؤسسة العسكرية، وحتى على مستوى القبيلة ومنظمات المجتمع المدني .

هذا الأمر خلق حالة من القلق والخوف على مستوى الداخل والخارج من أن ينزلق اليمن إلى حرب داخلية. هذه الحالة وضعة كلا من النظام والمعارضه أمام أمرين؛ إما الذهاب الى تسويه سياسيه ترضي الطرفين، أو حرب أهليه ستأكل الأخضر واليابس وتغرق السفينة بمن فيها. ونظرًا لأهمية اليمن وموقعه الجغرافي جعل دول الإقليم والعالم مهتمين بما يحصل به، مما أدى في الأخير إلى صياغة للحل تمثل بالمبادرة الخليجية برعاية أممية.

وكان المشهد الأخير من مشاهد الربيع العربي على أرض سوريا؛ حيث خرج السوريون ينشدون الحرية والكرامة، لم يطلبوا إسقاط النظام؛ ولكن نظام الأسد منذ البداية واجه المتظاهرين بالرصاص الحي، واستخدم كل أنواع الأسلحة ضد المتظاهرين حتى الطيران.  

بعد هذا تحولت المظاهرات السلمية إلى ثورة مسلحة خصوصا بعد انضمام أعداد كبيره من ضباط وجنود الجيش إلى الثورة، وتشكلت مقاومة مسلحة في معظم المناطق أدت إلى مواجهات، وكر وفر بين الطرفين.

ومع دخول تنظيمات جهادية متشددة كالقاعده وتنظيم الدولة من جهة,  والمليشيات الشيعية وحزب الله من جهة أخرى تحولت سوريا إلى ساحة صراع إقليمية ودولية أدت إلى تدمير معظم بنيتها التحتية، وإلى نزوح لملايين السكان، وإلى الآن لم تنته الحرب في سوريا؛ حيث أصبحت الأزمة في سوريا مرتكزا لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد ومنطلق لسايكس بيكو آخر، وخاصة بعد التدخل الروسي في سوريا .

كل هذه الأحداث التي حصلت خلال السنوات الخمس الماضية جعلت من الربيع العربي حدثا تاريخيا لا يمكن تجاهله أو الاستهانة بنتائجه أو نسيانه.

لقد مثل الربيع العربي مرحلة مفصلية من تاريخ الأمة العربية بغض النظر عن نجاحاته أو إخفاقاته، وذلك لأنه فرض واقعا سياسيا في هذه الدول تفاءل به البعض، وتجاهله البعض وتآمر عليه كثيرون . 

وقد أكون مخطئا عند البعض ومصيبا عند البعض الاخر إذا ما قمت بتصنيف وسرد ما حدث بشيء من الاختصار.

في تونس انتفاضة تحولت إلى ثورة؛ ولكن لم تكتمل أركان هذه الثورة المتمثلة بالتغيير  الجذري الشامل؛ ولكنني أعتبره نموذجا رائعا وفريدا لعملية التغيير السياسي للسلطة. 

في مصر انتفاضة شعبية انتهت بانقلاب ناعم أزاح رأس النظام ولم يسقط أركان دولته.
في ليبيا انتفاضة شعبية تحولت إلى مواجهات مسلحة أدت الى تدويل الأزمة، وسقط النظام بمساعدة دولية أممية، ثم تحولت ليبيا إلى ساحة صراع بين أبنائه.
في اليمن انتفاضة شعبية تحولت إلى أزمة سياسية ثم مبادرة حل إقليمية دولية.
 

في سوريا انتفاضة شعبية تحولت إلى مواجهات مسلحة، وتدخلات خارجية حولت البلد إلى ساحة صراع وتصفية حسابات بين مراكز القوى الإقليمية والدولية على حساب قتل وتشريد وتهجير الشعب السوري.

في الأخير يفرض علينا هذا الحدث سؤالا يجب الإجابة عليه وهو ما الأسباب التي أدت إلى إخفاق وانتكاسة الربيع العربي؟ 

أقول أولا: إن أهم الأسباب أن هذه الانتفاضات والثورات لم يكن لها قيادة موحدة تتولى مهام ومسؤولية قيادة الثورة, ومن جانب آخر قامت هذه الثورات ضد أنظمة حكمت منذ ما يقرب من ثلاثة عقود؛ حيث قامت بترسيخ وتثبيت أركان نظام الحكم من خلال شبكة مصالح شخصية مترابطة ومعقدة على كل المستويات في داخل أجهزة الدولة المدنية والعسكري.

ولقد أصبح من الصعوبة تفكيك هذه الشبكة إلا من خلال عملية سياسية كبيرة تتطلب عمل مؤسسات ومنظومة حكم رشيد ووقت طويل، وهذا لم يتسن لصانعي التغيير.

 ولقد خرجت الشعوب تطالب بإسقاط منظومة الفساد وعندما تحقق لها ما تريد قامت بإدارة السلطة بنفس آليه النظام السابق، كما أنها لم تقم بمحاكمة جادة وحقيقيه لرموز وأركان الفساد.

ولم تقم باستيعاب متطالبات المرحلة القادمة من خلال وضع وصياغة أسس لبناء الدولة المدنية الحديثة من خلال مرحلة انتقالية تشارك فيها كل المكونات من أجل تأسيس نظام حديث يتوافق عليه الجميع, حتى الذين كانوا في صف النظام السابق, في هذه المرحلة يتم حل جميع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي كانت تعمل في ظل النظام السابق والبدء بتأسيس عقد اجتماعي جديد يحدد إطار الدولة الحديثة.

وبروز خلافات بين مكونات العمل الثوري، أدت إلى تتدخلات خارجية إقليمية ودولية وعملت على إحباط الواقع الجديد؛ حيث عملت على ترتيب المشهد من جديد تحت مسمى تصحيح مسار الثورة ودعم واستنهاض أركان ورموز مايسمى بالدولة العميقة تحول إلى ثورات مضادة، ووجود شريحة واسعة من المجتمع تمثل أغلبية صامتة تجاهلها الواقع الجديد تم تعبئتها ضد الواقع الجديد,  
وأسفرت العملية الانتقالية عن نجاح مكون سياسي لطالما كان يشكل خطرا على أطراف محلية وإقليمية ودولية طبعا من وجهة نظر هذه الأطراف.

من جانب آخر قامت هذه الثورات ضد أنظمة كانت ترتكز على العمل الشخصي وليس على العمل المؤسسي؛ فبمجرد سقوط رأس النظام يتحول المشهد إلى فوضى، وإلى اختلال وانفلات أمني يصعب السيطرة عليه.

 ظهور جماعات مسلحة تعمل إما وفق مصالحها الشخصية، أو وفق مصلحة النظام السابق، أو لصالح أجندة خارجية عملت على محاربة الواقع الجديد واختزال المشهد لمصلحتها.

في الأخير تبقى السياسة في ظل عدم وجود دولة نظام وقانون ومؤسسات ودولة المواطنة المتساوية عملية سيئة يتحمل نتائجها المواطن والمجتمع. يتبع

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة