خولة غريبي تكتب: ثورة الياسمين في ذكراها الخامسة

ثارت “الخضراء” على ذبول أنهكها عقدين من الزمان،فتداعت لها”أمّ الدنيا” بالانتفاض لافظةً دنيا الظلم،وصدح “اليمن السعيد” بصرخة دوّت. يتبع

 خولة غريبي / مدونة تونسية

لعلّ الحديث عن الثورة اليوم، في نظر بعضهم، أضحى أمرا مُتعِبا

أو لم يعد ذا معنى في زمن أصيبت فيه الشعوب العربيّة بالخيبة.

فالثورة لم تكن إلا حُلما ورديّا لا يتناسب وواقعها.

 لكن، ليس لأحد أن يُنكر أنّ شرارة الثورة قد شقّت دُجًى سرمديّا لتربك موازين لا يُستهانُ بها في العالم أجمع.

ثار الشعب التونسيّ على واقع ضاق به واشتدّ عليه وطأُُه، كان ذلك إثر حادثة “البوعزيزي” -رحمه الله- التي كانت بمثابة النقطة التي أفاضت كأس العلقم الذي يتجرّعه الشعب . لم يكن الشعب التونسي وحده من يذوق الأمرّين، بل ظلم تُعاني منه جُلّ الشعوب العربية التي التقطت صرخة التونسيين سراجا يضيء درب تحرّكها نحو التحرّر من الصمت المميت.
ثارت “الخضراء” على ذبول أنهكها عقدين من الزمان أو أكثر، فتداعت لها “أمّ الدنيا” بالانتفاض لافظةً دنيا الظلم و الظلمات، و صدح “اليمن السعيد” بصرخة دوّت في العالم ألحانا حزينة لطالما ضجّت في صدره..

بعد الانبهار و الإعجاب و الصدمة الأولى أمام لحظة “الثورة” التاريخيّة المِفصليّة، انهالت التحليلات و التعليقات بأنّ ما حدث لم يكن إرادة شعبية بل محض أحداث برمجها “الغرب” لرسم شرق أوسط بملامح جديدة تنسجم و خططه المستقبليّة. هكذا أراد “العربيّ” أن يعيش دور الضحيّة مستندا إلى نظريّة المؤامرة في تحليل كلّ ما يحدث له و من حوله. قد يغفل -هذا “العربيّ”- كون نظريّة المؤامرة التي تقتاتُ عليها تحليلاته لكلّ ما يحصل هي المؤامرة بأمّ عينها على عقله المسجون داخلها.

إن صحّ حديث المؤامرة أو بدا سفيها، فإنّ المُلاحظ للواقع التونسيّ لا يُنكِرُ مشهدا جديدا يبحث عن طريقه بخطى ثابتة وسط غبار التشكيك و التفتين و التقزيم. إنّها الحركة الشبابيّة التي تحرّرت لتُنشئ الجمعيّات و المنظّمات بشتّى أنواعها ثقافيّة و سياسيّة و تنمويّة و دينيّة و … إنّه وعيٌ شبابيّ يُكابِدُ الطريق و يُحاوِلُ أن يتفتّح ليُنتج واقِعا يستجيبُ لآماله المنشودة.

لعلّ ما يُروّج له اليوم و تُحشدُ له عديد الوسائل و الأدوات الإعلاميّة في كون الثورة السبّب المُباشر و الرّئيس في إنتاج واقع مرير، يبدو ساذجا لأنّ الثورة لم تكن إلا يدا أماطت اللّثام عمّا كان مخبوءا من مرارة يتجرّعها الشعب في صمت في حين كان النظام يلمّع صورته بنعاق الدجّالين و شاشات الأباطيل..

اليقظة فعل مليء بالحيويّة يحمل معه الانتعاش و الفرح بملاقاة النور بعد الظلام. لكن فعل الصحوة هو المشحون بالمسؤولية و التعب و هو الذي يستحق جهدا وفيرا و تحمّلا و صبرا لأنّه يفرز تحرّرا من الأغلال و بناء وعي و النشأة في التأسيس.. 

لهذا كان صِدام الشعب بالواقع موجعا إثر الاستيقاظ من نشوة لحظة الثورة.. لأنّ الطريق تجلّى طويلا و شاقّا بعد أن ذهبت “سكرة” العِناقِ الأوّل للصّباح و الذي لم يكن وُصًولا ! لم تكن اليقظة فعلا كافيا كي يبدو كل أمر على ما يرام كأن ينتهي الظلم و ينقرض الارتشاء للانتفاع بحقوق المواطن في دولته و توفير العيش الكريم لعامّة الشعب و يناء قرار وطنيّ قويّ مستقلّ.. لم تكن لحظة قيام الثورة كفيلة بأن تُقيمَ الآمال المعلّقة واقعا فالثورة درب و ليست لحظة! إعلان الثورة كان مخاضا عسيرا سبقته سنون التوجّع. أمّا الثورة فهي المولود الذي وجب أن يُجاهد حتّى يحيى و يكبر و يقوى عوده فتَسْطَعَ شمسه على كلّ ركن في البلاد. 

إنّ نقاط الارتداد التي عرفتها الثورة في أكثر من قطر عربيّ و لعلّ أهمها مصر لا يعني البتّة أنّ الثورة ماتت. فالفعل الثوريّ الذي لم يخمد لهيبُهُ رغم تجبّر العسكر خيرُ دليل أنّ الثورة لم تمت بل هي فقط تشكو من مرض قد يكون بليغٌ خبثه. فالمعركة متواصلة، إذن، و سنّة التغير تقضي بأن عجلة التاريخ لا تدور أبدا إلى الوراء بل تسير إلى الأمام حيث الفعل يتأسس من وحي الزمن الحاضر. أمّا تونس فإنّها رغم كلّ ما تعيش من محاولات إرباك مسار الثورة تقوم بها عمليّات إجراميّة تستهدف بالأساس الأمن، فإنّها تشقّ خطواتها بنفس شاقّ نحو ترسيخ وعي العيش المشترك بين أبناء الشعب الواحد و ترك الاختلافات و الخلافات جانبا لأنّ اللحظة التاريخية لا تتحمّل هذا بل تتطلّب النظر إلى أفق بناء نقيٍّ من المشاحات و الترصّد بخطى الآخر المتعثّرة و تخوينه في كلّ حركة يأتي بها. إنّ الغيرة على الوطن تقضي تجاوز لغة التنديد و الإفراط في التنبيه إلى فعل الإنجاز الذي وإن يبدو مُكبَّلا اليوم بواقع مُثقل بالهزائم تنخره ضعفا فإنّه خطوة نحو طريق النهضة التي تُصنع للأجيال القادمة.

يدّعي البعض اليوم، أنّ مرونة اللعبة السياسيّة في تونس تُبطّن شرّا لهذا البلد، حيث يُعتبرُ الفعل السياسيّ فعل نفاق و أنانيّة مقيتة. إنّ هذا الإدّعاء ناجم عمّا تُسوّق له شاشات “وطنيّة” عرفها الشعبُ التونسيّ بمُناصرة طرف على آخر و بتلميع انجازات النظام المخلوع زمن حُكمه. فهذه الشاشات تُصرّ على تقديم صورة بائسة للسياسيّين من خلال منابر تتبنّى مسائل الفُرقة التي تُولّد المشاحانات و المشادّات الكلاميّة بين الفُرقاء السياسيّين دون التركيز على تلك الأمور التي تُهمّ الأمور التي تُلامسُ واقع الشعب. كما تقوم هذه الشاشات، و غيرها من وسائل إعلاميّة، على تخريج تصريحات القادة السياسيين المؤثّرين في واقع البلاد من سياقاتها ببتر جملة عن نصّها المتكامل. يأتي هذا ضمن لعبة ترمي إلى ازدراء الفعل السياسيّ و تنفير الشباب خاصّة و الشعب عامّة منه. بين أنّ المنطق ينصّ أنّ السياسة أمر واقِعٌ لا بدّ من ممارسته فالذي لا يكون فاعلا فيها يكون بالضرورة مفعولا به. و أبواب الدولة لا تُأتى إلا من باب السياسة، و إن كان الفِعْلُ المدنيّ قادرا على الرقيّ بالواقِعُ فهو لا يزدهِرُ إلا في دولة تصلُحُ سياستها.

تأتي الذكرى الخامِسَة للثورة التونسيّة فتتباين الآراء حولها و حول ما خلّفته هذه الثورة من نتائج تجاوزت الرقعة الجغرافيّة المحدودة لتونس. هذه الثورة التي أسقطت الأقنعة على عديد القوى الدوليّة و الحركات الوطنيّة و القُطريّة و الشخصيّات العامّة التي طالما بهرت الجماهير العربيّة، ليظهر جليّا من يُناصِرُ الحريّة لذاتها متحرّرا من الانتماءات الضيّقة و المصالح الشخصيّة القذرة. هذه الثورة كشفت عن لؤم إنسان هذا الزمان و عجّلت بتمحيص قاسٍ تدفَعُ الشعوب العربيّة ثمنه لعلّها يوما ما تجدُ طريقا لحريّتها و لحياتها الكريمة.

 

خولة غريبي

طالبة دكتوراه  ومدوّنة من تونس.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة