مدونات

إيمان مسعود تكتب: واستعمركم فيها

خلقنا الله من تراب لنكون أكثر انسجاماً في ضربنا للأرض والمشي في مناكبها وحفظ الحضارات من التبديد، فغاية خلق الله للإنسان هو استمرار الحياة واستقامتها.. يتبع.

خلقنا الله من تراب,  لنكون أكثر انسجاماً في ضربنا للأرض,  والمشي في مناكبها,  وحفظ الحضارات من التبديد وتلاشي العمران، فغاية خلق الله للإنسان, هو استمرار الحياة واستقامتها, لكن البعض يأبى إلاّ أن يتسلّط على هذه الغاية بتحريفها, إما بدفع الإنسان للإفساد في الأرض, غافلاً أن الاستعمار إنما ينبغي أن ينسجم مع استقامة الإنسان والخضوع للانضباط الذي ينتظم فيه الكون.

فالله عز وجل لا يقبل عمل المُفسدين, بل يحبطه ويقذفه بالحق فيدمغه، ومنهم فريق آخردلّس مفهوم إعمار الأرض وحصره في الرهبنة وتأدية العبادة ! ولم يتعداه إلى ثمار قبول العبادة وترسخها في نفس المؤمن, بترجمة ما تعلّم من دين, بالسعي لاستكشاف آيات الله الكونية ودلائل وجوده ، يقول الله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة)، فإعمار الأرض وتشييدها منشأ وجود الإنسان عليها,  وذلك من مزايا الدين الإسلامي أنه يُراعي حاجة مُعتنقيه للكسب والانتفاع, فجعل المسلم متوازناً بين تأدية تلك الرغبات وبنائه لدنياه,  وبين بنائه لدينه وتقواه,  لئلا يفسد ويسلك كل غاية توصله إلى شهواته دون ضابط, فربما فسد وقتَل أخيه المسلم, إذا زاحمه على الانتفاع والترزّق والكسب, فاسترزق من خوف الناس وتشريدهم.

وهذا المفهوم اعتقدته الملائكة ابتداء حينما سألت الله (أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نُسبّح بحمدك ونُقدّس لك) فهم كانوا مبلغ ما فهموه من الوجود أن يكون للتسبيح والتقديس,  لذا عندما رد الله عليهم بمناظرتهم مع آدم,  جعل الأفضلية التي نالها آدم عليه السلام,  إنما نالها بعلمه لا بعبادته , فاستخلفه في الأرض بهذا العلم، وهكذا كان ديدن الله عز وجل مع كل من يستخلفه في الأرض, يُهيأ ابتداء لحمل رسالة الله في عباده بالعلم والحكمة، فرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أافتُتحت بـ (اقرأ),  وجدارة "طالوت" بالمُلك كان بما يحمله من علم,  رغم أنه لم يكن من أصحاب المال أو المكانة في قومه (وقال لهم نبيّهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قال أنّ يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ).

وهكذا جعل الله كل ما يتعلّق بالإنسان محكوماً بالبصيرة والعلم والحق، وعلى ذلك تـُقاس كل جوانب حياة الإنسان,  فيكون سعيه مضبوطاً متناسقاً مع إرادة الله، فبالعلم ساد أصحاب الرسالات على قومهم ، وليس المقصود بذلك الاقتصارعلى العلم الديني,  فالإسلام عندما انتشر في بدايته,  تقدم في كل مجالات العلم,  فهذا تقدم ليسد ثغر الطب, وذاك هوى الكيمياء , فنشط فيها ، فخُلدّت بحروف من نور,  أسماء علماء كابن خلدون وابن الهيثم والخوارزمي.

إن مكمن انحسار المسلمين بعد أن كانت سيطرتهم وصلت إلى أوروبا,  هو في الطاقات المُعطّلة للأجيال الإسلامية في مقابل أجيال تنشأ في الغرب على الاعتكاف لاستكشاف الكون والاختراع فوصلوا إلى المريخ , وسافروا إلى القمر واخترعوا كل صغيرة وكبيرة من الآلات والأجهزة التي تغزوا البلدان الإسلامية ، إننا إذا أردنا حمل رسالة الإسلام للدعوة إليها ينبغي أولا أن تنعكس هذه الرسالة على شعوبها بالتقدم العلمي وتقرعهم بالتفوق التكنولوجي فتصرعهم في ميادين الإنجاز الاقتصادي والعلمي,  ولا تُبقي أمامهم سوى الاستسلام لمنهج الإسلام المتكامل في إقامة الحياة.


إيمان مسعود
كاتبة مصرية ومدربة تنمية بشرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة