نادية أبو المجد تكتب: عن الوطن والغربة والاغتراب

“ماتزعليش إنك مش قادرة ترجعي مصر حاليا. احنا كمان بندور على وطن”. هكذا بادرتني سيدة مصرية في شهر رمضان الماضي. يتبع

  الإعلامية نادية أبو المجد

“ماتزعليش إنك مش قادرة ترجعي مصر حاليا. احنا كمان بندور على وطن”. هكذا بادرتني سيدة مصرية في شهر رمضان الماضي.

من أكثر الأسئلة التي تتردد في ذهني منذ غادرت مصر يوم 6 سبتمبر2013: “يعني إيه وطن؟ ويعني إيه غربة ؟”،لم أكن أعلم حينها أنه خروج بلا عودة إلى أن يشاء الله. كان كل همي وقتها أن أخرج بعد أن زادت التهديدات، وبينها تلفيق قضايا وحملات تشويه.

لم أكن أريد العيش تحت ظلم- وليس رحمة- نظام جاء بانقلاب، وبدأ في قتل معارضيه بعد خمسة أيام فقط، كما لم يكن واردا أن أعمل مع أو في أذرع إعلامية للانقلاب، والتي أعتبرها شريكا أساسيا في دم وظلم مواطنين مصريين لمجرد أنهم معارضو الانقلاب، إلى جانب أنه لا علاقة لهؤلاء بالصحافة أو الإعلام المحترم كما أعرفه بعد أكثر من ربع قرن في الصحافة والإعلام.

لم يكن القرار سهلا علي المستوى الشخصي، فقد أضطررت أن أغادر وأترك ابني الوحيد على وشك الالتحاق بالثانوية العامة مع والدتي التي كانت أيضا تحتاج إلى وجودي بجانبها.
لن أنسى الدموع في عيونهما ذلك اليوم، ودموعي التي سالت عندما صعدت سلم الطائرة وعلى بالي قصيدة “هذه بلاد لم تعد كبلادي”، وأتمتم “وأشوف يا مصر وشك بخير “.

غادرت دون أن أتمكن من وداع كثير من الأصدقاء والأماكن والنيل، وكل ما أفتقد في مصر،
اضطررت للخروج علي عجل بعد أن كان اختياري وقراري العيش والعمل في مصر بعد أن ولدت وعشت18 سنة في الكويت، لم أكن أريد أن أعيش الغربة مجددا بعدما عشت 31 سنة في مصر، لا أخجل من ذكر عمري الحقيقي بل إنني فخورة به، لكنني هذه المرة وحيدة تماما.
لكن يظل السؤال: يعني إيه غربة؟ ويعني إيه وطن؟
السيسي قال “وطن يعني حضن ” !
 
فهل الوطن هو البلد الذي نحمل جنسيته, ولا نأمن أن نعيش فيه بسبب الاختلاف أو المعارضة السياسية؟ هل الوطن هو البلد الذي لا نأمن الرجوع إليه, دون خطر أو احتمال الاعتقال أو الإخفاء القسري أو تلفيق القضايا، أو في أحسن الأحوال المنع من السفر؟

 وهل الغربة هي بلد تعطينا فرصة للعمل والعيش الآمن وحياة جديدة؟
رغم تكرار السؤال وتكرار محاولات إيجاد إجابات فلسفية عن معنى الوطن بعد الخروج الاضطراري , إلا أن المعاناة أخذت، ولا تزال، أشكالا مختلفة. 
كنت أبكي كثيرا في أول شهرين، وأغمض عيوني وأتخيل أنني عدت إلى مصر، بعد ذلك تحول شعوري إلى غضب ورفض ” لحضن وطن ” أصبح طاردا، بل قاتلا للمعارضين، وسط فرح أو شماتة أو تبرير أو صمت، ووسط أغاني من نوعية “تسلم الأيادي” و”احنا شعب وانتوا شعب”.

كنت وما زلت أواسي نفسي بأنني لا أريد العيش وسط هذا القمع والظلم والكراهية والعنف والقبح، وأذكر نفسي أنني محظوظة, لأنني لست شريكة في هذا الانقلاب أو أي من جرائمه، فأنا والحمد لله كنت ضد تمرد ومظاهرات30 يونيو, وضد “الهري” الذي سبقهما، وأعلنت رفضي للانقلاب لحظة إعلانه،  وضد كل جرائمه ابتداء من اختطاف الرئيس محمد مرسي ومجازر الحرس الجمهوري والمنصة، وبالطبع لم أشارك في التفويض الذي ترتبت عليه مجازر فض اعتصامي رابعة والنهضة ومظاهرات رمسيس وما تلاها.

أفتخر أنني لم أكن ضمن ما يسمى “النخبة”، تلك التي يسميها الدكتور سيف الدين عبد الفتاح “نكبة العار”، ولم أكن ضمن “بتوع العلوم السيسية”، وهم كثر للأسف؛ الذين برروا قمع النظام الانقلابي ظنا أنه سيقضي على الإخوان المسلمين وأنصارهم، ولم يعارضوه غير بعد أن وصل القمع والاعتقال إليهم أو إلى أصدقائهم من “الشلة”، أو بعد أن خرجوا من مصر.

أحيانا يستبد بي الشوق والفقد، وأشعر بألم وخوف ألا أتمكن من الرجوع إلى بلدي طوال عمري، أو ألا أستطيع حضور جنازة أعزاء علي .

أفتقد كتبي ومنزلي في مصر. أفتقد عائلتي وتفاصيل كثيرة من حياتي هناك، أفتقد شرب القهوة مع أمي. لم أستطع حضور حفل تخرج ابني من الثانوية العامة، ولا أملك صورة من حفل تخرجه تجمعنا سويا، لم أستطع مشاركته أول أيامه في الجامعة السنة الماضية. بخلاف قلقي الدائم عليه، لكنني أطمئن نفسي بأني استودعته الله الذي لا تضيع ودائعه.

يأخذ القلق أشكالا كثيرة، فهل سأتمكن من حضور حفل تخرجه من الجامعة؟ هل سيجدد جواز سفري؟ هل سأضطر أن أكون لاجئة سياسية أو أبحث عن جنسية أخري؟

أشعر بغضب شديد ممن كان السبب في أن تنقلب حياتنا رأسا علي عقب، رغم أننا محظوظون أننا ما  زلنا علي قيد الحياة؛ لسنا في السجن الصغير أو الكبير في مصر. بل إن البعض يحسدنا على الخروج المبكر، والذي أصبح حلما لكثيرين بعد الانقلاب في مصر.

أشعر أحيانا أنني محظوظة بالخروج المبكر، وأحيانا أشعر بالحنق والغضب أنني لا أستطيع أن أزور بلدي بأمان وقتما أريد، وهو حق لأي مواطن.

لا أريد أن أعود لأعيش وأعمل بشكل دائم في مصر، لأن هذا غير متاح ولا واقعي، كما أنني لا أريد أن أعيش تحت هذا النظام أو وسط هذا الكم من الكراهية والاستقطاب والهستيريا المسماة كذبا “وطنية”، لن أتحمل هذا الكم من الأساطير والأكاذيب والمؤامرات الوهمية، أريد فقط أن يكون باستطاعتي زيارة بلدي عندما أريد دون خوف.

رغم آلام الغربة إلا أنها تجعل الفرد يحاول التكيف مع العيش وحيدا، لكنها أحيانا تكثف الشعور بالوحدة ؛ والشعور بالاغتراب يزيد في الغربة.

أنظر إلى نفسي كسيدة في منتصف العمر غير متزوجة ولا محجبة وضد الانقلاب، خريجة الجامعة الأمريكية ,لست إسلامية ولا ليبرالية، يمكنني أن أصنف نفسي كما صرح الناشط الشاب محمد سلطان لجريدة نيويورك تايمز مؤخرا: “أنا ليبرالي بالنسبة للإسلاميين وإسلامي بالنسبة لليبراليين”. 
 
كنت من “عاصري الليمون” حتي لا يصل رئيس وزراء مبارك إلى الرئاسة، وأعتقد أن الشعور بالإغتراب سيكون أشد وأعمق في مصر، حيث تعامل معي كثير ممن كنت أعتبرهم أصدقاء وكأني خنتهم أو خنت الطبقة الاجتماعية لمجرد أنني لم أكن ضد وصول محمد مرسي والإخوان للسلطة بعد أن فازوا في انتخابات حرة نزيهة بعد ثورة يناير، خاصة وأنني كنت ضد الهري ونشر الأكاذيب والكراهية ضد الإخوان، ولم أشترك في مظاهرات مهدت لانقلاب عسكري، كما أنني كنت ضد قمع وظلم الإخوان قبل الثورة.

وصل الأمر لاحقا إلى أن نشطاء أعرفهم معرفة شخصية لا يسألون عني رغم ما كان بيننا من صداقة وعشرة وعيش وملح، المخزي أن بعضهم اشترك في حملات بذاءة وتشويه ضدي قبل أن ينقلب العسكر عليهم أو علي شلتهم أو من يشبههم.

لم يقل أحد أنني كنت علي حق عندما اتخذت موقفا مبدئيا ضد الانقلاب، ومعظمهم لا يزال يكابر ويسب الإخوان، باعتباره الخيار الأسهل، أو يدعي كراهية العسكر والإخوان معا ويساوي بين خطايا الجلاد وأخطاء الضحية. 
بعد عامين في “الغربة” بعيدا عن “الوطن”، لو عاد الزمن سأتخذ نفس المواقف المبدئية، والتي أثبت الزمن صحتها، وكنت وما أزال فخورة بها وراضية بالثمن الذي أدفعه.

“سألوني بتحبي مصر؟ قلت طبعا”.”مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطن يعيش فينا” كما قال مكرم عبيد. كما أن ثقتي بالله بلا حدود، وهو وحده قادر أن نعود لنعيش إن أردنا في مصر الحرة التي حلمنا بها بعد ثورة يناير، لا أن ندفن فيها أحياء أو أمواتا.

نادية أبو المجد 
إعلامية مصرية
 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة