مدونات

هدى أحمد تكتب: حينما قتلت الأحلام وتحولت الحكايا لأرقام

توقفت عن الحلم وأنا فتية، فقد قتلت الأحلام أمام عيناي، ومن بقيت حبست خلف الأسوار، أصبحت أنام لأستيقظ في منتصف الليل منصتة، أتلك الطرقات تنتظرنا نحن؟ يتبع

أحد السجون المصرية (أرشيف)

 

توقفت عن الحلم وأنا فتية، فقد قتلت الأحلام أمام عيناي، وما بقيت حبست خلف الأسوار العملاقة، أصبحت أنام لأستيقظ في منتصف الليل منصتة، أتلك الطرقات تنتظرنا نحن؟ تقترب لتبتعد بأحد أحبتنا، أم أنها أصابت آخرين؟ أودع زوجي صباحًا ولا أعلم هل سيعود للبيت مساءً أم أنني سأبحث عنه خلف زنازين لم ترحم الكبير ولا الصغير.

على الرغم من تلك الأفكار السوداء التي لا  تفارقني، إلا أنني أفضل كثيرًا من غيري، ففاطمة بين المحاكم وأسوار السجون، لتختلس دقائق مع الحبيب الذي حرموها منه، وسارة تحلم برؤية فارسها ولو لدقائق معدودة، فقد حرمت رؤيته منذ أكثر من ستة أشهر، تحكي عن تلامس أيديهما عقب فراق طويل وكأنها عروس تسلم على عريسها لأول مرة، فقد فرقت بينهم القيود عقب بناء عشهم بشهرين فقط.

وهناك تلك الطفلة رقية، التي ما أن توقفت عن البكاء شوقا لوالدها, أصابتها حالة من الصراخ والخوف عقب رؤيتها له بين القضبان,  خوفًا من أن يتم اعتقالها وتلحق به سجينة.

أما رفيدة، فهي تزور العائلة بأكملها, أب معتقل وزوج لم يكتمل زفافهما بعد، لأن قيد العسكر كان أسبق، وأخ لحق بزوجها عقب يوم من اعتقاله. أؤكد لنفسي كل يوم أنني أفضل حالا.

وعلى الرغم من معاناة فاطمة ورفيدة وزهراء وأخريات لا اعلمهن إلا أن صديقتي رفيدة هي الأكثر معاناة وألمًا، عقب دقائق من مغادرته لمنزلهم خطف ولم يعد له أثر، خطف لعامين متتاليين، فقط كان هاتفه يحادثهم ويستمعون للكلمات الجارحة والتهديدات من المختطف, علهم يصلون لخبر عن مصير والدها المختطف غدرًا.

أخبرتني رفيدة أن اختطاف والدها على يد عناصر الأمن كان نهارًا أمام الأعين، وأنهم أعلنوا في أحد الصحف القبض عليه، ثم أنكروا ولا تدري بعد أهو حي يرزق أم أنه استشهد على يد الطغاة.

حسنًا.. مأساة رفيدة لم تكن ظاهرة عابرة، بل تكررت كثيرًا وظهر المختطفون خلال فترة لا تزيد عن الشهرين ليعترفوا بالتهم والجرائم التي نسبها الأمن إليهم، ظهروا وقد تغيرت ملامحهم لقسوة التعذيب، ولكن رفيدة , فقد مرت سنتانعلى اختطلف والدها , ولم تتغير الملامح ولا توالت الاعترافات، ومازال البحث جاريًا.

أخبرتني رفيدة أن والدها ليس الحالة الوحيدة لاختفاء طويل الأمد، فهناك أربعة عشر آخرين لم يجد ذويهم لهم أثر، لا تدري أمهاتهم هل هم أحياء يرزقون أم شهداء عند ربهم.

 تلك الحكايا لدى كثيرين مجرد أرقام، ولكنها لأكثر من أربعين ألف معتقل، وأربعين ألف أسرة توقفت حياتها ظلم مستمر، وأصوات مكتومة لا تدري في دولة الأسوار والسجون والظلم إلى من تتجه، وآخرون مطاردون لا يدرون، أيجدون مخبأ غدًا أم أنهم قريبا قد ينضمون لقائمة الأرقام التي تزداد.

الحكايا في مصر تحولت لمأساة وألم, ولم تعد قصصا لحياة تبنى مستقبلا أفضل، أصبحت فقط مجردآمال فرج وأسوار تبحث عمن يهدمها.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة