ياسر البنا يكتب: دام نبضك يا “عتيقة”

كلما مررت بمدرسة “العتيقة” في طريقي لسوق الخضار بمخيم الشاطئ للاجئين، يداهمني السؤال: أترى يتوقف نبضها وتسكت أصوات العصافير فيها؟.. يتبع.

ياسر البنا- صحفي وكاتب فلسطيني

 

كلما مررت بمدرسة “العتيقة” في طريقي لسوق الخضار بمخيم الشاطئ للاجئين، غرب مدينة غزة، يداهمني السؤال: أترى يتوقف نبضها؟ وتسكت أصوات العصافير فيها عن الزقزقة، بعد أن يخبو صياح أطفالها، وتختفى أصوات صرخاتهم الضاحكة؟

في هذه المدرسة الخاصة بأطفال اللاجئين الفلسطينيين، درس أبي المرحلة الابتدائية؛ ودرست أنا أيضا، ولولا انتقالي لسكن آخر، لتعلم أولادي فيها كذلك.

لكنها اليوم مهددة بالإغلاق، وبات مصيرها، مرتبطا بقدرة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” على توفير التمويل اللازم.

الوكالة أعلنت، قبل أسابيع، أنها قد تضطر لعدم افتتاح العام الدراسي، في حال عدم توفر مبلغ 101  مليون دولار، وهو ما أثار مخاوف حقيقية لدى الفلسطينيين بوجود مخطط خفي، لإنهاء خدمات وكالة “أونروا” وفي مقدمتها قطاع التعليم.

وبرغم قراراها اللاحق بافتتاح العام الدراسي في موعده المقرر، فإن الدراسة لم تستأنف حتى الآن، بسبب احتجاجات نقابة العاملين، ومجلس “أولياء الأمور”.

قرار إنهاء خدمات التعليم في “أونروا”، سيعني إغلاق 700 مدرسة، يدرس فيها نصف المليون طالب فلسطيني، في 5 مناطق، وهي (غزة، الضفة الغربية، الأردن، لبنان، سوريا)؛ وحسب وكالة “أونروا” فإن نصف هذا العدد يتواجد في قطاع غزة، حيث تشرف الوكالة على تعليم 248 ألف طالب وطالبة يدرسون في 252 مدرسة.

هذا القرار في حال اتخاذه، سيكون نكبة حقيقية، فالفلسطينيون يقدسون التعليم، وتكاد نسبة الأمية لديهم، وخاصة في قطاع غزة، تقترب من الصفر، هم مستعدون لأن يجوعوا ويبيعوا متاعهم وممتلكاتهم، من أجل توفير التعليم اللازم لأبنائهم.

ولنعد إلى مدرستي “العتيقة” التي كلما مررت عن أسوارها، يستبد بي الحنين لسنيّ الطفولة، وأتمنى لو أستطيع أن أدخلها، وأخاطب أشجارها، وأتحدث مع صفوفها وجدرانها، وأذكّرها بأسراب طيور السنونو، التي كانت تغطي سماءها في صباحات الشتاء، وعصافير “الدوري” التي كانت تستحم برمالها تحت ظلال الأشجار، ساعة غروب الشمس.

لكني لم أجرؤ يوما على تنفيذ تلك الأمنية، فلم يتبقَ من المدرسة التي أعرفها، سوى جدرانها الخارجية، بعد أن هُدمت صفوفنا الدراسية، واقتلعت أغلب أشجار الكينيا العملاقة، واختفى ملعبها، وبهوها الفسيح، واحتلت مكانه مبان خراسانية، ولم يعد ثمة مكان يلهو فيه الأطفال، بفعل الحاجة لصفوف دراسية تلبي ازدياد أعداد الطلاب.

أيامنا، كانت المدرسة، صغيرة للغاية، ومكونة من سبعة صفوف فقط، وغرفتين للناظر، والمدرسين، ومسقوفة جميعها بالكرميد، وتحتل جوانبها أشجار “الكينيا”.

ولم يكن “العتيقة” اسمها الرسمي، بل هو “ذكور غزة الجديدة” لكنها اشتهرت بالاسم الأول، نظرا لقدمها، ولكونها من أوائل المدارس التي بنتها وكالة الغوث، في المنطقة، وربما في قطاع غزة.

في هذه المدرسة الصغيرة، أزعم أنني تلقيت تعليما جيدا، رغم قلة الموارد، وضعف الإمكانيات، وربما يرجع هذا الأمر للاهتمام الكبير من هيئة المدرسة بنا كطلاب.

وربما يرجع أيضا لأسلوب العقاب البدني “الضرب” الذي كان مستشريا بين المدرسين.

لا تندهشوا، فأنا أعارض أسلوب الضرب في المدارس بشدة، لكني كنت ألاحظ أنه كان عقابا مجديا، ويجبرنا على الاهتمام بدروسنا، خوفا من الإهانة.

ما زلت أذكر جيدا، ناظر المدرسة؛ كان مهاب الجانب، طويل القامة، مهووسا بتعليمنا قواعد الكتابة العربية الصحيحة، لدرجة أنه كان يتدخل في عمل مُدرّسي اللغة العربية، وفرض علينا وظيفة إملاء منزلية يومية (طوال أيام السنة) وكان يعاقب من يُهمل فيها، ولو بقطعة واحدة، بالضرب الشديد، والإهانة القاسية أمام الطلاب.

ولا أنسى يوم أن أجرى تفتيشا مفاجئا على صفنا، ولم أكن يومها قد جهزت قطع الإملاء الخاصة بي، وتصادف ذلك مع قدوم عمي للمدرسة، للاستفسار عني وعن أبناء أعمامي.

لقد كانت فضيحة، ويوما أسود.

لم تكن ظروف الدراسة نموذجية، فلقد كنا ندرس على فترتين، صباحية ومسائية، ونعاني حر الصيف، وبرد الشتاء، جراء الحالة المزرية للصفوف الدراسية، لكنها- شئنا أم أبينا – صاحبة فضل عظيم علينا، وأتاحت لنا فرصة التعليم الأساسي.

أرى “العتيقة” مثالا حيا يختزل النظام التعليمي لوكالة “أونروا” بأكمله.

أراها بناءً يوشك أن ينهار، فتنهار معه أحلام أجيال، حرمت من كل شيء، ولم يتبق لها سوى حلم “التعليم”.

ياسر البنا

صحفي وكاتب فلسطيني

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة