ممدوح المنير يكتب: وتتوالى الملاحم (3)

كانت المعركة تدور بشراسة بين مجموعات التأمين التي تلقى الحجارة والأخشاب وبين مدرعات الجيش التي فتحت النيران بكثافة على شرفات البناية محاولة إسقاط من بها. يتبع

أدرك الثوّار أن المعركة ليست عادية وأن النظام الانقلابي ينوي ارتكاب مجزرة مروعة ، ولن يتوقف نهائيا حتى لو قتل كل من في الميدان ، وهنا بدأت مرحلة الزلزلة والصراع الإنساني الهائل داخل كل من في الميدان ، بين متعلق بالحياة وبين راغب في الشهادة، بين من يحتمى من الرصاص بأي شيء ، وبين من يتلقاه في طمأنينة.

أصبحت تفاصيل المشهد لساعات طوال عبارة عن هذه المشاهدات

الجرافة تقتلع الخيام و كل من يقابلها تحت غطاء نيران كثيف من قبل مدرعات الجيش و الشرطة و القناصة و إطلاق كثيف للغاز ، و المعتصمون يرمون الحجارة و الأخشاب على الجرافة لمنعها من التقدم و يضعون في طريقها العراقيل ، لكن رصاصات الموت تحصد الأرواح, و أصبح مشهدا يتكرر كل دقيقة, أن نجد أحد الشهداء يسقط و يجرى نحوه المعتصمون, و يضعون اسفله ببطانية ليحملوه  إلى المستشفى الميداني .

بدأت فرق التأمين مع المعتصمين تقيم ساترا دخانيا بين القوات المتقدمة و المعتصمين لمحاولة إعاقتهم و منع تقدمهم و للتعمية على القناصة ، كنّا نحاول قطع أفرع الأشجار و جلب البطاطين و الأخشاب و الغطاء البلاستيكي التي كان يغطى بها الخيم,  لإشعالها حتى ارتفعت ألسنة اللهب وأعمدة الدخان عالية .

 

كل هذا و المنصة تطالب المعتصمين بالثبات و إخلاء الطريق للمسعفين و محاولة توجيه الميدان و الحركة فيه ، لكن المنصة نفسها نزل عليها الرصاص كالمطر و سقط الكثير من الشهداء عليها و مع مرور الوقت بدأ صوتها يخفت بسبب انقطاع وصلات الكهرباء التي كانت تعتمد عليها مكبرات الصوت .

من مشاهد الميدان الرائعة منظر النساء و الفتيات و هن يتقدمن بصلابة و قوة  للمشاركة في التصدي للقوات ، فهذه شابه تجلس على الرصيف تحاول كسر بلاطه   و تضع الكسر في أحد الجراكن ليتم نقله إلى الجبهة الأمامية لاستخدامه ( كطوب ) يلقى على القوات لمنع تقدمها ، و هذه امرأة أخرى تساعد فى إغاثة مصاب ، و أخرى تحمل الخل ترشه على المعتصمين ، و ثالثة تصرخ في الثوّار مشجعة و رابعة ترفع يدها إلى السماء ، و خامسة إمّا مصابة أو شهيدة .

ظللنا على هذا الحال إما مقاومين أو مسخنين بالجراح طيلة اليوم و كنت صائما حتى العصر و كان لدي أمل أن اموت على صيام,  لكن على ما يبدو لست أهلا للشهادة ، و اضطررت للإفطار بعد العصر بساعة نتيجة قنبلة غاز أخرى و كان شرب المياه الغازية حتمي لإنقاذ حياتي حينها  .

 راينا مشاهد مفجعة مصابين لا نجد لهم مكانا و لا دواء و لا نملك لهم شيئا ، أم تحتضن رضيعها الميت و تبكى بلوعة و حرقة على فراقه ، مصابين داستهم المدرعات دون رحمة حتى قتلتهم ، جثث ملقاه هنا و هناك,  أقصى ما امكننا فعله  أن نغطى وجهها وجسدها بأي شيء .

حاولت من جانبي توثيق بعض المشاهد و الصور حتى اقتربنا من الثالثة ، و كانت حينها تدور معركة حامية الوطيس عند “عمارة المنايفة”  في أول شارع الطيران و هي عمارة تحت التأسيس و كنّا نعتصم داخلها نحو شهر أو يزيد ثم انتقلنا إلى مكان آخر امامها مباشرة .

كرسي الموت !!!

بدأت القوات فى التقدم من كل جوانب الميدان ، و بدأ المعتصمون يتمركزون في قلب الميدان ، و كنت وقتها قد أنهكت تماما, وكنت ما أزال صائما – حتى العصر – و كنت مريضا بنزلة برد شديدة  فرأيت كرسيا خشبيا وحيدا  في وسط الميدان,  فجلست أستريح عليه ، و القوّات من حولي و المنصة أمامي و قد بدأت في الاحتراق ، و التفت يمينا ثم يسارا دون تركيز من شدة الإجهاد, وو جدت فتاتين عن يساري ينظرن إلىّ بدهشة واستغراب ، فلم أفهم سرّ نظرتهم إلا عندما وجدت  البعض يسقط من حولي ، فأدركت حينها أنني أجلس على كرسي الموت !!! .

وأدركت حينها أنني أصبحت هدفا سهلا  للقناصة فقمت و تركت الكرسي و تحركت إلى أحد جوانب الميدان أول شارع المنصة و كان تكتل كبير من المعتصمين لا يزال موجودا,  نحو ألفين ( رقم تقديري ) من المعتصمين ، و كانت قنابل الغاز لا تزال تطلق بغزارة, و كدت أهلك لولا انني  سقطت على الأرض غير قادر على التنفس لفترة طويلة,  و الشباب من حولي يستخدمون كل ما في أيديهم من خل و بصل و مياه غازية حتى اضطررت للإفطار و شرب المياه الغازية ، و بصراحة ومن كثرة الشهداء ، تمنيت على ربي أن ألقاه صائما ، لكنه لم تكتب لي الشهادة ، يبدو أنني لم أكن أستحقها ، و أسأل الله أن يرزقني إيّاها , و أن أستشهد في سبيله .

عمارة المنايفة و تظهر فى خلفية الصورة

 

كانت المعركة تدور بشراسة بين مجموعات التأمين التي تلقى عليهم الحجارة و الأخشاب و بين مدرعات الجيش التي فتحت النيران بكثافة على كل شرفات البناية في محاولة لإسقاط من بها ، و سبب ضراوة المعركة أن تقدم القوات واجتيازها هذه البناية يعنى محاصرة مسجد رابعة و المنصة و المستشفى من الخلف و من ثمّ السيطرة على الميدان بكامله .

 

كانت مهمة إخوان إحدى محافظات الدلتا مع باقي المعتصمين حماية هذه الناحية من الميدان, لكن ضراوة المعركة, تسببت في عرقلة التقدم أكثر من 6 ساعات, حتى أنهك الجميع, و سقط عدد كبير من الشهداء و المصابين فيها ، واضطر الجميع للتراجع للخلف تحت وطأة النيران و الغاز ، ثم قامت قوات الجيش و الشرطة بالالتفاف حول العمارة و قنص و إبادة كل من فيها من شباب و نساء و أطفال احتموا بها ، وكان ذلك في نحو الثالثة عصرا .

 

بدأ الجميع يحاولون التجمع في الميدان و على أطراف الشوارع المؤدية للمسجد و المستشفى في محاولة مستميتة لوقف تقدم القوات صوب المسجد و المنصة ، و كان  عدد الجثث حينها قد ازاد بشكل لا يمكن حصره,  و لم نجد مكانا نضع فيه جثث الشهداء, أو الجرحى سوى المخيمات في محيط المسجد و المستشفى ، وقتها  كنت أحاول شحن هاتفي المحمول في أحد المخيمات التي كان لا تزال بها كهرباء و هي نفس الخيمة المجاورة للكشك الذى تم جرف الجثث أمامه .

 د. ممدوح المنير
كاتب ومحلل سياسي

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة