ممدوح المنير يكتب: شهادتي على فض رابعة “2”

وجدته يجري وحيدا نحوها يرفع يديه الاثنتين عاليا وهو يلوح لها ملتاعا غاضبا مشيرا ألا تقترب، كأنه يقول لها لا تهدمي الحلم الجميل والعيش النبيل.. يتبع.

د ممدوح المنير

قبل بدء انهمار الرصاص علينا بدقائق أخذت حقائبي  توجهت إلى المركز الإعلامي قبل بدأ الفض  وقابلت القائمين عليه، وكنت وقتها أساعدهم فى صياغة الأخبار أو المضامين الإعلامية أو الردود على الإشاعات التى يبثها إعلام الإنقلاب عن المعتصمين، أو أقوم ببعض المداخلات الفضائية لتوضيح موقف المعتصمين.

لكن ما بات واضحا للعيان أن الدور الوحيد الذى يمكن القيام به هو توثيق أسماء الشهداء والمصابين وكنت قد التقطت بهاتفى صورة أول شهيد يصل إلى المركز الإعلامي بعد تحوله إلى مستشفى ميداني بعد بدء اكتظاظ المستشفى الميداني الرئيسي بالمصابين والجثث، برغم أننا فى الساعة الأولى فقط  من بدء اقتحام الميدان!
 
عندها طلب من الجميع المغادرة حيث إ ن المستشفى  والمركز الإعلامي وما يحيط بهما كانوا الأكثر استهدافا وتعرضا لزخّات الرصاص والمدافع الآلية، خرجت لأنضم للثوّار عند بوابة شارع الطيران أمام عمارة المنايفة .

لكن ما إن خرجت من الباب حتى وجدت النساء يصرخن والأطفال يبكون والمصابين يتواردون  بلا توقف، وفرق التأمين تحاول منع حالة الهرج والمرج حتى لا تفقد السيطرة على الأوضاع.
 
وكانت فرق التأمين تمنع الناس من الدخول إلى ساحة المستشفى الميداني حتى تستطيع فرق الإسعاف العمل من دون زحام، لذلك ذهبت إليهم وأظهرت لهم تصريح الدخول كإعلامي، وقلت لهم سوف أخرج وعندما أعود لا تمنعوني من الدخول، ولم أذهب حتى أخذت منهم تأكيدات بذلك، وكانوا نحو أربعة .

وعندما عدت بعد عدة ساعات وجدت بدلا منهم شبابا غيرهم، فسألت عليهم فعرفت أنهم جميعا قد تم قنصهم واستشهدوا، رحمهم الله .

الرجل و الجرافة

بعدما توجهت، فى الساعة الأولى للفض، من المركز الإعلامى إلى مدخل الميدان من شارع الطيران بجوار مستشفى التأمين الصحى، كان الجو معبأ بالغاز عن آخره، فدمعت عيني سريعا ولم استطع التنفس لكنى واصلت المسير وسط هتافات الحماس التى تهز الميدان،  الجميع تقريبا يضع أقنعة الغاز والشباب المكلف باستخدام البخاخات التى تحتوى على الخلّ للتخفيف من حدة الغاز يمرون دون توقف ودون خوف ويرشّونه على الجميع، والبعض الآخر يحمل البصل والمياه الغازية لنفس الغرض.
 
كان الجميع  فى ساعات الفض  يضع أقنعة الغاز, وسحابات الدخان تبدو واضحة، وجراكن المياه في كل مكان وكانت القنابل توضع فيها لتقليل تأثيرها.

حتى وصلت إلى البوابة وهناك وجدت المدرعات تقذف النيران دون توقف والجرافات تحاول إزاحة الساتر الترابى وسط صمود أسطوري من الشباب الذى لم يكن معه أى شىء سوى الحجارة يرميها على الجرافة أو القنّاصة حتى يشتت انتباههم .

انضممت للمعتصمين من ناحية عمارة المنايفة حتى حدث أمامي موقف أسطوري بكل ما تعنيه الكلمة، أكتب إليكم هذه القصة ودموعي تنساب منّي رغما عنّي، كلما كفكفتها عادت تترى  كأنها تشاركنى الكتابة وتمدنى بمداد قلم، لتنال معى الشرف وأى شرف أن تكتب عن هذا البطل (نحو ستين عاما).

لم اكن أعرفه من قبل، لكنه كان قد جاء ليلة الفض. نام إلى جواري في الخيمة وتعرفت عليه سريعا. لم أكن أعرف حينها أنني أتعرف على شهيد يمشي على الأرض، ربما لا يعرفه الكثيرون ولم يقل له أحد أنت بطل، ولم يقل له أحد أنت شهيد ! لكن الله  ملائكته وأهل السماء يعرفونه جيدا، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله.

كنّا وقتها فى الساعات الأولى من فض اعتصام رابعة بشارع الطيران، والمعتصمون يحاولون عرقلتهم عن التقدم بصدورهم العارية و أيديهم الخالية، لكن شهوة الدم الحرام كانت كبيرة، فتساقط من حولي الشهداء والجرحى.

ثم أطلقت قنابل الغاز بكثافة شديدة فتساقط الجميع وتراجعوا رغما عنهم بحثا عن نسمة هواء نقية حتى لا نموت اختناقا وكنت قد أصبت بقنبلة غاز كادت أن تزهق روحي لولا أن الله سلم وأنقذني المسعفون .

حينها استغلت الجرّافة الفرصة واقتربت من الساتر الترابى لتزيله  تفتح الطريق للمدرعات والقوات للتقدم ، وعندها ظهر البطل .

 وجدته يجري وحيدا نحوها يرفع يديه الاثنتين عاليا وهو يلوح لها ملتاعا غاضبا مشيرا ألا تقترب، كأنه يقول لها لا تهدمي الحلم الجميل والعيش النبيل، لا تهدمي الصحبة الصالحة وقيام الليل وصيام النهار، لا تفتحي طريقا للشرّ، الله وحده أعلم متى يغلق.

لكنها تحركت وكأن قائدها مغيب الوعى والضمير ، وتقابل الاثنان عند الساتر الترابي الرجل  الجرّافة فى مشهد أسطوري لا يعرف قيمته إلا من عاشه، فلمّا يئس من أن تقف، فعل المستحيل بكل ما تعنيه الكلمة.

وجدته يتحرك مسرعا نحوها، وفجأة ارتمى داخل الجاروف (القادوس) ونام فيه لعله يتوقف، لكنه جرفه وداسه تحت عجلاته ليسقط شهيدا، فيراه المعتصمون فيبثّ فيهم قوة بعد ضعف وعزيمة بعد وهن وإيمانا لا يتزعزع ، لتستمر ملحمة الصمود ويرتقي الآلاف من الشهداء  الذين تحكي دماء كل منهم قصة بطل . ليقولوا لنا واصلوا طريق الأنبياء والرسل لتعيشوا أعزّاء أو تموتوا شهداء.
 

الصفوة الممتازة

هذا الرجل المسن ذكرني بمعنى إيماني جميل، أنه في بعض الأحيان ووقت اشتداد الأزمة وتوالي النوازل والكربات يسقط منّا الشهيد تلو الشهيد والوليد تلو الوليد، عندها قد يتسرب إلى قلوبنا في وقت لوعة أو جزع سخط أو غضب، ونقول لماذا يموت أفضل وأنقى وأطهر من فينا، لماذا يموت الأنقياء الأتقياء وتحرق جثثهم أو تلقى فى القمامة؟!

والإجابة: إنها الصفوة الممتازة كما سمّاها أمير العلماء الشيخ “محمد الغزالي” رحمه الله، كان يتحدث عن كتائب المجاهدين في فلسطين من الإخوان و غيرهم من شرفاء الوطن فى حرب 48 ، و عن مدى أخلاقهم وتميزهم ، وكان يقول وخشيت على هؤلاء من الموت فقد نحتاج إلى أجيال حتى نربي جيلا مثله.

ثم ذكرني الله بحروب الردة ،عندما قاد “مسيلمة الكذاب” جيوشه لقتال المسلمين وموقف “أبوبكر الصديق” رضي الله عنه، عندما مات في بداية المعركة الفارقة في تاريخ الإسلام أغلب حفظة القرآن وكبار الصحابة ورجالات بدر، ما جعله يجمع القرآن بعد موت غالب حفظته. إنهم بدريو هذا الزمان (من شهد غزوة بدر) الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) نحسبهم كذلك.

وهكذا في كل المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام يموت ويستشهد فى أولها الصفوة الممتازة الأنقى والأطهر والأفضل، ليكونوا وقودا للنصر، وقربانا للحرية، ومعراجا للأمة، فسلام على شهدائنا جميعا ألف سلام .

رابط الجزء الأول

/Services/System/?Rq=6)O7AzSe8-5Hs3O704M-7_DoflBAS-5GOW!1Aie-7_rOE1WFM-3pUQ!aG

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة