إيمان مسعود تكتب: المعارضة المُتطرفة نتاج أنظمة مُتطرفة!!

اكتست الأنظمة العربية بجنون الطغيان وغاب فيهم صوت العقل المُتزن، وأصبحت اليد العليا لحاملي فكرة اقتلاع جذور كل حركة إصلاح سياسي تلوح بالأفق. يتبع

( المعارضة المتطرفة نتاج أنظمة متطرفة ) هكذا يقول دكتور سلمان العودة، وهو مُحق تماما فيما قال، فمنذ تحررت الشعوب العربية من الاستعمار الأوروبي والأنظمة التي خلفته تقابل التيار الإسلامي بعنجهية وتضييق وما يمكن تسميته إرهاب دولة من قِبل الأنظمة الحاكمة؛ خاصة التيارات التي أخرجت الإسلام من حصره في مفهوم الصومعة وتأدية الشعائر وتقديمه كمشروع حضاري مُسالم ومنهج حياة يجب أن يُمنح له الفرصة ليحكم وتُصاغ منه قوانين التعاملات الاقتصادية وتلك التي تُنظم شئون الشعوب وحقوقها.

ورغم أن هذه التيارات قدمت المشروع بالكثير من المرونة مع الأنظمة القائمة؛ إلا أن ذلك لم يلق عند طواغيت الحكم إلا حصد أرواح قادة التيار الإسلامي الناشئ، وما حدث من قتل الإمام حسن البنا، والشهيد الأستاذ “سيد قطب”، واعتقال المئات من كوادر التيار الإسلامي وتعريضهم لأبشع انتهاكات هتك الأعراض، ووفاة العشرات تحت سياط سجانيهم خير دليل على ذلك!

فقد اكتست الأنظمة العربية بجنون الطغيان وغاب فيهم صوت العقل المُتزن، وأصبحت اليد العليا لحاملي فكرة اقتلاع جذور كل حركة إصلاح سياسي تلوح في الأفق وإن كانت ليبرالية أو علمانية والتهمة جاهزة ( تنفيذ أجندات مخابرات غربية)!.

وتآمرت السلطات التنفيذية لإحكام قبضة الحاكم الديكتاتورية فأصبح الشعب والأرض والثروات هدايا مجانية يحظى بها الحاكم مع فوزه باجتماع مصالح الفسدة ووقوع اختيارهم عليه كممثلا لهم في سدة الحكم! فيقتل ويُعذّب ويسجن كما يتسق مع رؤيته في الإدارة، ويسرق الخيرات كما يروق لمخططه في الاستيلاء على المليارات بينما في شعبه من يفترش أرصفة الشارع لينام، وآخرون سكنوا المقابر بعدما غادرتهم الحياة فذهبوا إلى حيث الموت!! مُحاطاً بحاشية تُبارك ظلمه وتشاركه جرمه؛ طالما أنه حافظ على الرضا الأمريكي الشريان الرئيسي لحياة معظم الأنظمة العربية والذي إن رُفع تُرفع معه أجهزة تنفسه فيفقد مقومات البقاء! فأصبح كل طيف سياسي يُنافس على الحكم – بإستثناء المُخلصين – لا يضع رؤيته لبرنامج سياسي إنما رعاية مصالح أمريكا والحفاظ على أمن إسرائيل شقيقة صاحبنا الذي في سُدة الحكم!

كل هذه الأسباب جعلت من الحتمي أن تتشكل هنا وهناك بعض الكيانات غير النظامية التي قررت أن تثأر لأمتها بنفسها وأن تخلق منطق قوة يوازي -أو هكذا يحاولون- أن يكون بقوة سلاح أنظمتهم، والداعمون لهم دولياً باحثاً عن استقلال الهوية، ولو بقوا على الحق الذي تبنوه لالتفت الشعوب حولهم، ولدفعوا أرواحهم تذليلاً لما قد تواجهه هذه الكيانات من الصعاب، كما هي ” حماس ” التي نبضت بآمال الشعوب فنبضت بهم حياة الشعوب واستمدوا منهم قوة الصمود ومقاومة الطغيان.

لكن انزلاق هذه الكيانات لمحظورات المبادئ من اختطافهم لأجانب مسالمين وذبحهم والتمثيل بجثثهم جعل منهم مشروعاً متكاملاً مع مؤامرة تشويه كل مناضل للهيمنة الغربية على ثروات الشرق الأوسط، وأعادوا للأذهان مؤامرة القضاء على التيار الإسلامي الصاعد سياسياً في الجزائر من خلال مخطط مخابراتي تمثّل في التخفّي بسمت إسلامي لخلط الأوراق، وإحباط تمسّك الجزائريين بديمقراطيتهم بأفعال بشعة تقشعر لها الأبدان كنشر صور لأشخاص يحملون مظهراً إسلامياً مُتشدداً ينتمون إلى تنظيم يُسمى ” الجيا ” يبقر بطون الحوامل كشف فيما بعد “حبيب سويدية” – الضابط في سلاح المظلات العسكري الجزائري- أن تنظيم ” الجيا ” المُتشدد لم يكن سوى تنظيم مخابراتي لدفع الأمور إلى بشاعة يستطيعون بها القمع بشكل أفضل!

ومما يقوي نظرية وقوف أجهزة مخابراتية وراء تنظيمات مشبوهة حققت تكاملا للمشروع الصهيوني في المنطقة كـ “داعش” مثلا هو استماتة عصابة “الأسد”، والحرس الثوري الإيراني في إيجاد مُبرر للمجازر المُرعبة المُرتكبة بحق الشعب السوري وسط تصفيق دولي يتمثل في العزوف عن اتخاذ أية ردة فعل تجاه ذلك!

فكانت الحاجة مُلحة في ظهور شبح يهرب منه السوريين باتجاه السفاح ” الأسد ” فكان التلويح بإما الحفاظ على عرائس الماريونيت، ومن ورائها الهيمنة الأمريكية أو البديل سيادة تنظيمات إرهابية تعانون معها من عاهات مستديمة بعد أن تقطع أيديكم وتجلد ظهوركم وتقذفكم من أسطح المباني الشاهقة تكون سوريا نقطة انطلاقتها إلى كل دول المنطقة المجاورة؛ خاصة أن الربيع العربي أنجب أنظمة إسلامية فكان لا بد أن يتم تصدير صورة وحشية عن الإسلاميين توقف صعود نجمهم،  وتأفل بريقه الذي حققه فترة حكمهم على قُصرها التي كانت الأكثر ديموقراطية وحرية في العالم العربي رغم أنها لم تكن بالمثالية التي حلمنا بها!

وتلاقت مصلحة أمريكا مع مصلحة بشار في تكوين هذه الجماعات التي ستُمّثل حائط صد قوي يوقف سيل الثورات الذي يقتلع عملائها من على كراسي الحكم بتهديدهم بمصير مماثل لسوريا بتركهم للإبادة إن لم يتوقفوا عن جرف عملائها، وإتاحة الفرصة للمشروع الأمريكي بالتدخل عسكرياً لإيقاف زحف الثورات، وإمداد عملائها في الشرق الأوسط بأنواع السلاح لاستخدامها ضد شعوبهم بدعوى محاربة الإرهاب ومواجهة الجماعات المتطرفة؛ خاصة أن أمريكا مطمئنة أن كرة الثلج لهذه التنظيمات ستتضخم بحجم معاناة الشعوب العربية من أنظمتها!

وكانت ” داعش ” هي الورقة التي تلاقت فيها مصالح كل هؤلاء؛ لكن لسوء حظهم كانت كل جريمة تُرتكب من هذه المليشيا تتنافس فيها مع الأنظمة الفاشية في قتل الأبرياء تزيل القناع عن بعض المخدوعين فيهم، وتعيدهم إلى مزيد من التمسك بالمبادئ، وتدق مسماراً في نعش المشروع الصهيوني في المنطقة بشقيه الأنظمة الحاكمة والتنظيمات المشبوهة وتحمل الجميع على توحيد الجهود للخلاص من الأنظمة الديكتاتورية ليقطعوا الطريق على المشروع الأمريكي الذي يستغل طغيانهم لتسويق تلك الكيانات المشبوهة.

 إيمان مسعود

كاتبة ومدربة تنمية بشرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة