أبوبكر مشالي يكتب: نهضة مرسي وأشياء أخرى

لا أدري لو استبدل مرسي “مرشح الثورة” شعار “النهضة إرادة شعب” بشعار ونستون تشرشل “لا أعدكم سوي بالعرق و الدم و الدموع” ما الذي كان سيحدث؟. يتبع

نقف اليوم علي أنقاض مشروع نهضة سبق وأن أعدته جماعة الاخوان المسلمين في مصر علي مدي ثمانية عشر عاماً, وضع نواته الأولى عام 1997 الدكتور عبدالحميد الغزالي -الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- في كتابه “أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة” كقراءة أولية في فكر مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا , ثم تلاه طرح إستراتيجي للمشروع ككل, إلى أن أعلن عنه المهندس خيرت الشاطر عام 2012 كمشروع انتخابي تحت شعار “النهضة إرادة شعب” والذي تبناه بعد ذلك الدكتور محمد مرسي أول رئيس مصري مدني منتخب, الذي سعي بكل ما أوتي من فرصة لتنفيذه قبل أن يتم الانقلاب عليه.

ولن أكون منصفاً لو قلت إنه فشل في التنفيذ, لأن الفرصة لم تتح له بشكل كاف كي نحكم علي تجربته بالفشل أو النجاح , فقد جاء بعد ثورة علي رئيس فاسد ترك إرثاً اقتصادياً، و فساداً يحتاج إلي سنوات للقضاء عليه , فضلاً عن أن عوامل الهدم “الثورة المضادة” كانت أكثر من عوامل البناء, لكنني لن أكون منصفاً أيضاً لو لم أقل إن الميوعة لا تصلح أن تكون نظام حكم، وإن مرسي أخطأ حين قيَّد المشروع بوقت محدد “مشروع المائة يوم” كانت قراءة خاطئة للواقع لم يجن من ورائها سوي أن يطَعَن الشعب في مصداقيته و يشكك في وعوده.

لا أدري لو استبدل مرسي “مرشح الثورة” شعار “النهضة إرادة شعب” بشعار ونستون تشرشل “لا أعدكم سوي بالعرق و الدم و الدموع” ما الذي كان سيحدث؟! خاصة أن ظروف مصر حينها كانت أشبه بالمجتمع البريطاني في أربعينيات القرن العشرين, فهناك حرب، وعندنا ثورة و البلدان يعانيان من اقتصاد متدهور، وصراع مستميت مع تكتلات داخلية تدفع البلد نحو الهاوية, لكن الحديث في الماضي يصيبني بالخيبة, لذلك سأدلف مباشرة للموضوع الذي جاء به العنوان.

 “العامة لا يعنيهم مدي تدين الحاكم أو كماله الجسدي, كُل ما يعنيهم هو توفيره لاحتياجاتهم كي تستقيم معيشتهم”

 بهذه العبارة أرسي ابن خلدون قاعدة في الحكم مفادها: أن الحاكم لا يجب أن يعول كثيراً علي تأثر الشعب بورعه و زهده فيما هو حق له لأن العامة يعتريهم الجهل ولا يجدون حرجاً في التناغم مع الديكتاتور الفاسد لو وفر لهم “لقمة العيش” ولو علي حساب حريتهم فليس ثمة شعب متدين بطبعه في مصر. ثم عاد ابن خلدون ليؤكد أن النهضة لن تتحقق إلا في ظل “دولة رادعة” قال: “لابد من وجود سلطة تحول دون اعتداء الناس بعضهم على البعض الآخر”، وهذا لن يحدث إلا بعد أن يحكم الرئيس قبضته علي الدولة خاصة حين تكون في حالة ثورة، ولم ينجح مرسي في ذلك لأن سلامة النية وحدها لم تكن تكفي لحكم دولة كمصر.

 أما مالك بن نبي فقد أرجع تعثر النهضة في العالم الاسلامي إلي سببين هما “الاستعمار و القابلية للاستعمار” حين قال “إن الدهاء والمكر والخداع والنهم والشراسة من نصيب الاستعمار، وإن الدناءة والسفالة والنجاسة والخبث والخيانة من نصيب القابلية للاستعمار” هذا الوتر لعب عليه السيسي ثقةً منه بأن الشعب يمكنه التكيّف تحت أي سلطة قمعية، وقابليته للاستعمار أكبر بكثير من رغبته في التحرر, فسهل عليه تطويعهم بعد أن خوفهم بالإخوان.

 ثم فجوة بين النظرية و التطبيق في أي فكرة , فالأفكار تبدو للوهلة الاولي مذهلة علي الورق, وما أن تخرج إلي حيز التنفيذ إلا وتصطدم بالواقع لأنها عادة ما تعتمد مبدأ الصدفة في التنفيذ، ثم قراءة صحيحه للواقع؛ لذلك يؤكد ابن نبي علي أن النهضة يجب أن ترتكز علي أفكار قابله للتنفيذ من وحي الواقع فقال “النقص الذي يعاني منه الإنسان المسلم ليس منطق الفكرة، وإنما منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلاماً مجرداً، وأكثر من ذلك أنه قد يبغض الذين يفكرون تفكيراً مؤثراً، والسبب يعود لافتقادنا الضابط الذي يربط بين الأشياء و وسائلها، وبين الأشياء وأهدافها، فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وفكرتنا لا تعرف التحقيق”.

 ورغم أن ابن نبي كان شديد التأثر سياسياً بجمال الدين الأفغاني، ودينياً بمحمد عبده إلا أنه انفرد برأي مخالف لهم في علاقة المسلم بالعقيدة، فقال “إن المشكلة ليست أن نعلم المسلم عقيدة هو يمثلها, و إنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها و قوتها” إذا النهضة لا تشترط أن يكون كل مناً ممثلاً للعقيدة بيقينية ساذجة و اتباع أعمى بقدر احتياجها إلى قوة العقيدة التي تدفع المؤمن للبذل و العمل, فليس النجاح أن نصنع كهنة و دراويش, بل التميز هو أن ننشئ مسلماً فاعلاً، وأذكر هنا نصاً للإمام حسن البنا والذي أعتبره دستوراً لنجاح أي فكرة “أن الفكرة تنجح  إذا قوى الإيمان بها وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها ووجد الاستعداد الذى يحمل على التضحية والعمل تحقيقها وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة الإيمان والإخلاص والحماسة والعمل من خصائص الشباب ….”

 ماذا لو اختار الإخوان عشرة شباب و تم عزلهم عن المشهد تماماً ثم إرسالهم إلى جامعات متخصصة لدراسة نظريات السياسة وإدارة الإعلام، والعلاقات الدولية وغيرها, بغية إعدادهم لمرحلة ما بعد الانقلاب أياً كانت معالمها, فالجماعة في نظري بحاجة إلي جيل ثان من القيادات حتى و إن استمر الجيل الأول في موقعه؟!

 ماذا لو انتبه الإخوان لضرورة “الأمن الفكري” فأنشأوا مركزاً بحثياً لدراسة نفسية الخصم وتحديد احتمالات تحركه ليتفادوا الضربات المتوقعة منه, و يقوموا بمناقشة وتحليل تجارب الأمن “جهاز الأمن الداخلي لحماس و المكتب الخامس للمملكة المتحدة و – مكتب التحقيقات الفيدرالي بدوره الاستخباراتي – مجازاً ثم يخرجوا بمقترح مناسب يمكنهم من الاستفادة منه في أمنهم الفكري/الحركي كي لا يكون جسدهم عارياً أمام خصومهم فاختراق الأمن الفكري هزيمه؟!

 أخيراً.. أختم بما أورده أبو الحسن الندوي في كتابه “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”:

 “هناك أمران لا يحدد لهما وقت بدقة، النوم في حياة الفرد، و الانحطاط في حياة الأمة،

 فلا يشعر بهما إلا إذا غليا و استوليا”

 كلي رجاء أن نكون قد أدركنا اليوم مواطن الخلل وشخّصنا المرض بعناية كي لا نحرق المرحلة في معالجة الأعراض بدلاً من أصل المرض كما حذر ابن نبي؛ فالعالم الاسلامي عنده أشبه بالمريض الذي دخل صيدلية فأشار عليه السياسي بحبة دواء طبقاً لتشخيصه السياسي، ثم التقي بالفقيه الذي وصف له عقاراً آخر طبقاً لتشخيصه العقائدي، فعالجوا أعراض المرض لكن المرض مازال قائما لم يعالجه أحد.

 وللحديث بقية إن شاء الله ..

أبو بكر مشالي
مدون ومهندس مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها