مقابلة مع خط الصعيد على فيسبوك (2)

بعد دقائق لمحته قادمًا، رجل قصير القامة، يرتدي جلابية بلدي و” كوتشي أديداس” أبيض، دون عمامة على رأسه، وخلفه رجلان يحمل أحدهما مدفعا رشاشا. يتبع

سامي كمال الدين

تشبث زميلي المصور بي، بينما أحاط بنا أربعة رجال مدججين بالأسلحة الآلية، فٌتحت بوابة كبيرة دخلنا منها إلى باحة أرض واسعة. أجلسونا على ” دكة” خشبية كبيرة، ثم قدم إلينا صبي يحمل في يده صينية شاي .

بعد أن انتهينا من الشاي قدم إلينا أحد الحراس ليخبرنا أن العمدة غيّر مكان المقابلة لإجراءات أمنية، وسيأخذوننا إلى مكان آخر!

هنا بدأ هرمون القلق يطل بكثافة على وجوهنا، اتجهنا غربا بين مساحات من الأراضي الزراعية لا تنهيها اللفتات.

وصلنا بيتا تضاريسه غريبه ومداخله غير طبيعية، تعرجها والتفافاتها يخبرنا بأن من عبروا هنا، كانوا ربما من بنوا هذا المكان فقط.

دخلنا في متاهة البيت حتى وصلنا إلى غرفة صغيرة، ليس بها سوى كنبة خشبية و ” جوزة” فحمها ما زال جمرا.

بعد دقائق لمحته قادمًا، رجل قصير القامة، يرتدي جلابية بلدي و” كوتشي أديداس” أبيض، دون عمامة على رأسه، وخلفه رجلان يحمل أحدهما مدفعا رشاشا، معلقا على كتفه حقيبة سلاح” خزنة”، والآخر في يده جهازي هاتف محمول.

بعد ترحابه الشديد بنا، مرت بيننا دقيقة صمت تائهة، فقد كنت أتخيل الخط نوفل سعد ربيع رجلا فارع الطول والعرض، مهيب الطلعة. لكن في عينيه كان هناك تحد وجبروت يشبه إلى حد ما ذلك التحدي الذي شاهدناه في صور وفيديوهات جمال عبد الناصر.

ثم نادى على ابنه أحمد، الذي حين أرسل لي رسالة على الفيسبوك يطلب مني فيها التواصل معه، تذكرته في اللقاء الأول هذا.

– يا أحمد هات الواجب للرجالة.

– قدم أحمد وفي يده قطعة حشيش معتبرة، قلت له: أصلي ده يا عمدة ولا مضروب.

أجاب ضاحكا: لسه جاي من الأرض حالا.

ضحكنا وأنا أرد يده بالحشيش لأني لا أدخن بالأساس. فإذا به يرفع صوته: خلاص هات يا ولد حتة أفيون لعمك سامي.

رفضت فقال لي: اهديهم لحبايبك في مصر.

قلت له: شكلك بتسلمني تسليم أهالي يا عمدة.

جاء الشاي وبدأ الحوار بيننا

– ” الأمن يري أنك خطر علي حياة المواطنين، وأنه يجب إعدامك في ميدان عام علي تجارتك في الأفيون والسلاح وقتلك 150 شخصا و… إلخ . ايه الحكاية؟

‎قال : الأمن يري وأنت ترى، وأمة لا إله إلا الله ترى، أما أنا فليس من حقي أن أرى”؟

حاولت تلطيف الجو معه، لكن ساورني قلقا وهو أن يحس بخوفي فيمتلك هو إدارة الحوار، صحيح أن ركبي تخبط في بعضها؛ لكن يجب ألا يحس بذلك. قلت “لكنك وزارة الداخلية تصنفك كمجرم خطير، وحسب آراء الناس الغلابة الذين يعيشون حياتهم يرتدون السواد بسببك؟

‎أجاب بأسى: “حتى المجرم يأخذ فرصة الدفاع عن نفسه، وأنا لم أحصل علي هذه الفرصة حتي الآن، حيث لم يقل لي أحد تعال يا نوفل لكي نحاكمك، محاكمة عادلة ويُحاكم معي كل الفاسدين الذين اتخذوني ساترا، وجلسوا خلف مكاتبهم المكيفة يأكلون ويشربون ويركبون السيارات الفارهة، بينما أنا ملقى في العراء، لا آكل لقمة واحدة ليست مغموسة بذرات الرمال، رغم أنني من صنعت هؤلاء”.

‎ساعات ثلاث بين شد وجذب .. بين مفاجآت وغرائبيات دار الحديث بيني وبين خط الصعيد، الذي لم يكن يروق له هذا المسمى، والذي طلب أيضا عدم تصوير رجالته بالسلاح، وطلب من المصور ألا يلتقط صورا لأي أسلحة.

‎أول عملية قتل قام بها نوفل كانت ثأرا لأبيه، نفذها أمام مركز شرطة نجع حمادي، قتل فيها خمسة أشخاص، لتتوالى الجرائم، ثم يٌقتل أخيه، فيقتل قاتله، ويفرض سطوته على بلدتهم والمناطق المجاورة، ثم تبدأ الشرطة في الاستعانة به لتنفيذ عمليات لها، فيستطيع مطاردة الإرهابيين في الجبال، الذين فجروا الأتوبيس السياحي في حادث الأقصر الشهير حين كان حسن الألفي وزيرا للداخلية، وغيرها من العمليات التي منحت فيها الشرطة الوكالة له مقابل غض البصر عنه ليمارس سطوته وينتقل بعدها إلى زراعة المخدرات وتجارة السلاح بالتعاون مع الشرطة.

‎من مفاجآت هذا الحوار أوراق ثبوتية منحها لنا الخط عبارة عن تراخيص سلاح منحتها له وزارة الداخلية، وعدة صور لمحافظ قنا وهو يفتتح جمعية خيرية للخط، بل وكشف عن تورط مدير أمن القاهرة ورئيس المباحث وعدة ضباط شرطة في صفقات السلاح والمخدرات، وكشف أن سر محاصرة الداخلية لبيته وأراضيه بالسيارات المدرعة صفقة أسلحة بينه وبين بعض ضباط الداخلية حيث رفضوا اقتسامها معه مناصفة، وطلبوا منه أن يأخذ مليونا واحدا، ويحصلون هم على خمسة ملايين جنيه.

‎في طريق العودة كانت ترن في أذني كلمات الرجل: جريدة الأهرام مش هتنشر الكلام ده وأتحداك. أو ستشوه سمعتى أكتر ما هي مشوهة، وسيغيرون كلامي. و‎وعدته بأنه إذا لم تنشر الأهرام اعترافاته بنصها فلن أنشر شيئا من الحديث الذي دار بيننا.

‎فهل تجرأ الأهرام عام 2004 ونشر مثل هذا الكلام؟!

‎ولهذا قصة أخرى الأسبوع المقبل.

——————-

سامي كمال الدين

صحفي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة