عبد العزيز مجاهد يكتب: روحي بات عندها سبع سنين !

يوم لقائنا الأول لازلت أذكره بجوار السور تحت البرج، وجهك الأصفر الغارق بدموع أمك، رفقاء العنبر الذين تحلقوا ليشهدوا لقيانا. يتبع

يوم لقاءنا الأول لازلت أذكره بجوار السور تحت البرج

وجهك الأصفر الغارق بدموع أمك

رفقاء العنبر الذين تحلقوا ليشهدوا لقيانا

شغلتني قبلها رحلتي عن سماع بكاءك يوم استنشقتي هواء هذا العالم

قبل أسبوع من ولادتك يا مريم تركت الدنيا إلى مقابر الأحياء

مغمضُ العينين جبرا مقيدُ اليدين من خلاف نزلت في دركات تحتها دركات

على بعد خطوات من قبوي بدأت أذناي في التقاط آهات المعذبين

اثنان وعشرون يوما صار اسمي فيها 17

رقم بين عشرات الأرقام

لكل رقم حكاية

ولكل رقم آهات وصرخات

في أيامي الأولى تحت الدركات كنت مندهشا من وجود مكان كهذا وبشر كهؤلاء في الدنيا التي نحياها

حتى أوحت لي صرخات الأرقام بسؤال

وما أدراك أن هذه دنيا؟

لم تختبر أنت ولا هم الموت من قبل

لقد متنا .. نعم متنا .. وما هذه الصرخات والعذابات إلا استجواب الغلاظ الشداد

لكن هل تسب الملائكة الدين صباح مساء؟!

وما أعرفه أن أسئلة الأقبية تكون عن ربي وعن ديني وعن عبادتي

لا عن مسئول الجامعة ومشرفيها !

لازلت حيا إذا .. وما أنا فيه سينتهي إلى موت أو حياة !

بعدها ارتاحت روحي واستقرت نفسي حينما استقر فيها أنني خارج من هنا لا محالة

اعذريني يا مريم لقد أتى يوم مولدك وأقبيتهم تمتلأ بالمعذبين فعجزت أن أكتب لكي أرق من هذه الكلمات

 اعذريني يا روحي توقفت في ذلك القبو عن التفكير فيك

شغلتني أنفاسي عن أنفاسك

شغلت بروحي عن روحك فتوقفت عن عد الأيام

22 يوما غبتُ فيها يا روحي عن الدنيا

لأخرج من تحت القبو تاركا خلفي ( أرقاما ) يتأوهون تحت السياط

بعدها لم تعد حياتي لما كانت !

كلما آويت إلى فراشي تذكرت رقم ( 21 ) الذي حاول الهمس في أذني باسمه لأطمأن أهله أن خرجت قبل أن يكتشفه ( عثمان ) ليأخذه إلى غرفة التعذيب التي لم يعد منها !

حتى ضمِّي لك في وادي النطرون بين زوار عنبر 3 سياسي لم ينسني أنني تركت خلفي معذبين يتأوهون  

لم تغادرني كوابيس الأقبية إلا بعد أن زرت قبوي مفتوح العينين !

نعم زرته يوم كنت أغطي تجمهر ثوار يناير أمام مبنى أمن الدولة في مدينة نصر

تحسست زنزانتي التي سكنتها دون أن أراها

رأيت السياط

وأسلاك الكهرباء

وسرائر الشَبْح !

وتصورت فيها وصورتها

حتى انقلب المنقلبون على الثورة

ففتحوا الأقبية ووسعوها

وفتحوا لها أفرعا في العازولي بالاسماعيلية

فلما ضاق بالمعذبين فتحوا أفرعا للأقبية في كل مدينة ثار الناس فيها

كلما تذكرت أنني حين أكتب هذه الكلمات هناك العشرات وربما المئات تنزع منهم انسانيتهم في تلك الأقبية أستشعر في نفسي التقصير والخذلان

اعذريني يا مريم لقد أتى يوم مولدك وأقبيتهم تمتلئ بالمعذبين فعجزت أن أكتب لك أرق من هذه الكلمات

في الوقت الذي يتعايش فيه بعض أصحاب المبادئ مع دفن البعض في سلخانات التعذيب.
 

 عبد العزيز مجاهد
إعلامي مصري

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها