وليد شوشة يكتب: لا تكن فيسيوكيا

لا تكن فيسبوكياً،لأن الفيس لا يغنى عن الواقع والميدان،فإن أحداث الثورة،ومعاناتهاوشهداءهاوضحاياها كانت في الشوارع والميادين.يتبع

  وليد شوشة / مدون مصري

حتى وقت قريب لم يكن لي حساب (account)على الفيسبوك (face book) ليس من باب الاعتراض ؛ فلا يختلف اثنان على أهمية مواقع التواصل الاجتماعي ، التي قربت البعيد ، ونقلت المعلومة بسرعة كبيرة ، وجعلت العالم كغرفة صغيرة . ولكن مخافة أن يشغلني عن القراءة ، ويفرق بيني وبين الكتاب ؛ رفيق الدرب ، وصديق العمر، في الحل والترحال .

 

وبعد متابعة وفحص لعدد ممن لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي . وجدتهم خملة ، أصابهم الترهل ، والكسل ، وعُطلت مواهبهم وقدراتهم ، وضُرب على عقولهم النعاس، وبعدوا عن القراءة والبحث والتحليل . 

وجدتُ جُل همهم منصب على المجاملات ، وأناملهم لم ُترفع عن زر الاعجاب (like) لمعظم المشاركات المُرسلة من أصدقائهم (posts) ، وصورالملفات الشخصية (profile) ، الفيديوهات ، التي شاركوا في نشرها (share) ، وكثرة التعليقات (comment) . وليس عندي أدنى مشكلة ، فهذا مقدر ومحترم، ودليل على الشعور الطيب، والعلاقات الحميمة . ولكن في اكتفاء البعض بتلك المجاملات .  

نشرت بوابة الأهرام الالكترونية دراسة ، تستند نتائجها إلى استطلاع بريطاني حديث للرأي أجرته شركة “إتش تي سي” للهواتف الذكية، أظهرأن ما يقرب من ثلثي مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي ينشرون صورًا على حساباتهم الشخصية لتبدو حياتهم الشخصية أكثر إثارة ومليئة بالمغامرات، وقال أكثر من ثلاثة أرباع من شملهم الاستطلاع إنهم يقيمون أصدقاءهم على أساس ما يرونه على حساباتهم الشخصية على الانستغرام أو سنابشوت أو الفيسبوك.

  كما وجد الاستطلاع، وفقا لصحيفة “ديلي ميل البريطانية” أن 6% اعترفوا بالاستعانة ببعض الصور التي لا تخصهم ووضعها على حساباتهم الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي لتبدو وكأنها خاصة بهم وذلك لتظهر حياتهم أكثر إثارة.  كما اعترف أكثر من نصف من شملهم الاستطلاع بأنهم ينشرون صورًا لأشياء وأماكن معينة فقط من أجل إثارة الغيرة في قلوب الأصدقاء وأفراد العائلة. 

رأيت أحدهم يجلس منذ الصباح الباكر، وحتى نهاية يومه لا يفارق هاتفه ، يتصفح حسابه، ويضحك على معظم ما يأتيه من صوروفيديوهات، أراني بعضها فوجدتها تافهة لا تستحق المشاهدة، وربما شغلته عن علم نافع ، أو قراءة كتاب مفيد . من هذه الفيديوهات التي أضحكته ، وأحب أن نشاركه الضحك، في زمن بكى فيه الضحك! رجل افريقي بدين يحاول أن يمتطي حماراً صغيراً فلم يستطع ، ويحاول ويضحك من يصوره ، ويضحك صاحبنا ، لا أدري لماذا ! ثم ينجح الإفريقي في النهاية فيرفسه الحمار برجليه فيقع أرضاً ، ومن ثم علت ضحكات صاحبي ؛ وعمره فوق الأربعين . 

والأمثلة كثيرة ، وخاصة من الشباب الذين شاركوا الإعجاب لصورة لاعب الأهلي المصري ، الذي وقف على الكرة بقدميه ، في مباراة الأهلي مع الزمالك بمدينة العين الإماراتية ، حتي وصل إلى 37000 إعجاب في أقل من 40 دقيقة . في الوقت الذى لم تحظى فيه صورة أي من شباب فلسطين ، أو شهدائها ، أو بناتها وهن يجمعن الحجارة ، ويواجهن المحتل ، ولو بألف متابعة أو إعجاب ! 

لقد امتدت مواقع التواصل لتملأ الفراغ النفسي والوقتي والثقافي للإنسان العربي ، صاحب مقولة ” قتل الوقت ” ولم أجد أمة تقتل وقتها كأمة العرب!  

وقد رأيت الكثيرين يتأففون ، ويضجرون من القراءة ، و متابعة المقالات ، ويفضلون الصور ذات التعليق . والخوف من أن تنصرف الأجيال عن القراءة والبحث ، واعمال العقل الذى هو أداة التمييز، وسبيل النهضة ، والانصراف من ثقافة العقل ، إلى ثقافة شبكات التواصل |- إذا جاز التعبير- فتنحرف البوصلة ، ويُصبح الفيسبوك هو المرجع والدليل والمصدر، فيتصدر المشهد الفارغون ، والجاهلون الذين يجهلون أنهم جاهلون .

ومن السلبيات : تحول البعض إلى نقاد ، مع عدم أهليتهم وكفاءتهم . واحدة  كتبت وهى جالسة مسترخية وربما تأكل بعض ثمارالفاكهة في غرفة مكيفة ؛ منتقدة ، ومعترضة ،  على مشاركة بنات فلسطينيات في الانتفاضة الشعبية ضد المحتل الصهيوني ، دفاعاً عن المسجد الأقصى ،وهن مرتديات بناطيل الجينز الضيق. هكذا بكل بساطة تحولت سيدة المقعد الوثير إلى سوط وجلاد . فلم تجد في الصورة سوى الجينز الضيق ، وغاب عنها الجنود المُدججين بالسلاح ، وقنابل الغاز المسيل للدموع ، ولم تر مشقة المقاومة  وخطر المواجهة ،التي من الممكن أن تودى بحياتهن، ولم تعلم أن هؤلاء البنات المُترفات قد تركن حياة الترف والدعة للدفاع عن وطنهن ، ومقدساتهن .    

فلا تكن عزيزي فيسبوكياً من هذا الفهم، وعليك أن تعي بأن الفيس وسيلة وليس غاية ، وعليك استغلال هذه النعمة فيما يُفيد ، فتُعلم الجاهل ، وتزيد الوعي ، وتنشر النافع . 

علينا أن ننقل جراح الناس ، ومشاكلهم ، ومعاناتهم ، وخاصة المُحاصرين منهم ، والمشردين الذين لن يستطيعوا نقل تلك المعاناة ، لتكون وسيلة ضغط ، من أجل تحسين أوضاعهم، والحصول على حقوقهم . وتأمل صورة الطفل السوري الذى وجد مُلقياً على أحد شواطئ تركيا في طريقه للهجرة إلى أوربا ، هارباً من ضربات الطائرات ، وكيف كان تأثيرها حين تم التفاعل معها عبر مواقع التواصل . 

عليك أن تكون الصحفي ، الذى يبحث عن الحق ، والحقيقة ، وينقلها بكل حيادية وأمانة للناس دون تزييف أو هوى .  

لا تكن فيسبوكياً : لأن الفيس لا يغنى عن الواقع والميدان ، فإذا كانت الدعوة لثورة يناير في مصر عبر الفيسبوك ، فإن أحداث الثورة ، ومعاناتها ، وشهداءها ، وضحاياها ، كانت في الشوارع والميادين.


والويل لأمة يُصبح الفيس بوك هو ميدان جهادها ونضالها وتعليمها ، فتكون كمن يحرث في الماء ، ويحارب بغير عدو .


والويل لأمة لا تقرأ ، ولا تعي ما تقرأ ، ولا تعمل بما تقرأ ، ولا تكافح وتدافع عن أعمالها ومنجزاتها وتاريخها.
والويل لأمة تبخل عن دفع ثمن نهضتها ، وحريتها ، وتفر من ميدان الكفاح ، والعمل ، إلى ميدان القول والفيسبوك .

 وليد شوشة

مدون مصري

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة