مدونات

هاجر ثروت تكتب : هل نحن في زمن الموت؟

يقولون أننا أجيال بائسة ! ربما لم نعش حياتنا كما عاشها آبائنا وأجدادنا ، تفرقت أيامنا مع أشلاء الجثث وبين قطرات الدماء، شاخت وجوهنا ونحن لم نتخط العشرين بعد.

  هاجر ثروت – مدونة مصرية

بينما أتجول بين القنوات في فضائها الفسيح، وأطالع الأخبار من هنا وهناك إذ تنقض علي مشاهد القتل والحرق والجثث المتفحمة حينا والمذبوحة أحيانا أخري ، حتي يخيل إلي أنني في عالم دراكولا ! أضغط بهستيرية علي زر الريموت علني أظفر بملاذ آمن .. لكن دون جدوي …  لا صوت يعلو فوق صوت الموت !

ليس هناك أغرب من الموت .. إنه حادث غريب .. أن يصبح الشيء .. ?‌ شيء .. ثياب الحِداد .. و السرادق .. و الموسيقى .. و المباخر .. و الفراشون بملا‌بسهم المسرحية .. و نحن كأننا نتفرج على رواية و لا‌ نصدق .. و لا‌ أحد يبدو عليه أنه يصدق .. الموت لا‌ يعني أحداً .. و إنما الحياة هي التي تعني الكل . (د.مصطفي محمود في كتابه لغز الموت) !

حينما كنت صغيرة لم أكن أعي الموت بمعناه الحقيقي ولا تمكنت من إدراك ماهيته …
أذكر يوم وفاة جدي وهو أول حادث موت أعايشه …

أمي تأخذنا سريعا لبيت جدي وهي تبكي بحرقة لم أرها من قبل وخالي يقف علي سلم البيت يجهش بالبكاء وآخرون يصرخون بالداخل

أمي تأخذنا سريعا لبيت جدي وهي تبكي بحرقة لم أرها من قبل وخالي يقف علي سلم البيت يجهش بالبكاء وآخرون يصرخون بالداخل !
تأملت هذه المشاهد وفي يدي قطعة بسكويت لا أدري من أعطاني إياها ! وحولي الصغار يلعبون في حديقة المنزل كأنهم في عالم آخر !
أما لسان حالي فيردد ..ما الذي يحدث ؟! ما لهؤلاء القوم ؟!
كل ما وعيته أن جدي لم يكن بين الحاضرين !
أريكته خاوية علي عروشها … !صوته غير مسموع بالمنزل !لن يحضر له أبي السوداني الذي يحبه.. !
إذن … أين ذهب جدي ؟!سرعان ما نسيت استفهامي دون سعي مني للفهم ولا البحث عن اجابة .
مرت سنوات طويلة وبفضل الله لم أسمع فيها عن الموت مرة أخري !

أتت سنوات عجاف وتساقط فيها من الأحبة الكثيرين .
انشطر القلب وقد نضج بما يكفي لفهم الموت وما يخلفه بداخلنا من ندبات

حتي أتت سنوات عجاف وتساقط فيها من الأحبة الكثير  .
انشطر القلب وقد نضج بما يكفي لفهم الموت وما يخلفه بداخلنا من ندبات .

لماذا لم يكن الموت حاضرا بيننا سابقا بهذا الشكل ؟
أيمكننا القول بأننا نحيا في زمن الموت ؟!

تأمل معي حياتنا … فلم يعد يمضي يوم واحد دون أن تتردد علي مسامعنا كلمة م و ت …

عروسان يموتان بزي الزفاف في حادث ويزفهم أحبابهم إلي القبر !
أطفال يموتون بزي المدرسة في حادث وتلطخ كراساتهم بالدم !
عشرات يموتون في انقلاب معدية بالنيل !
طائرة تسقط ويموت بها المئات دفعة واحدة !
آلاف يموتون في يوم واحد قتلا وحرقا بل وحتي خنقا بالكيماوي السام !
أبرياء يموتون صعقا بالكهرباء تحت المطر !
فلانة طبيبة شابة ماتت بعدوي السحائي !
فلان كان بالأمس بيننا لكنه نام نومته الأخيرة !

يقولون أننا أجيال بائسة ! ربما لم نعش حياتنا كما عاشها آبائنا وأجدادنا ، تفرقت أيامنا مع أشلاء الجثث وبين قطرات الدماء ،شاخت وجوهنا ونحن لم نتخط العشرينات بعد

الكل يموت تحت الرصاص وفي السجون وفي البر والبحر والجو وحتي علي الأسرة (جمع سرير) الآمنة .

يموتون ونموت نحن الأحياء بموتهم ، تموت حياتنا بينما نحن أحياء نتجرع في كل يوم كأس الحياة الممزوج بالدماء وبقايا الجثث ولا سبيل لنا للهروب .

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ }آل عمران185 الكل سيفني ولن يبقي إلا وجه الله ذي  الجلال والإكرام ، تلك الحقيقة لا جدال فيها ولا مراء ، فالموت مكتوب علي الجميع ولن يفر منه أحد .
لكن أن نكون في زمن الموت- إن جاز القول- فهو أمر يسترعي الإهتمام .
لابد هنا أن نتساءل أليس الموت هادم اللذات ! ألم يكف به واعظا !
لم الضمائر منعدمة ! والقلوب متحجرة ! والنفوس متعفنة والظلم يسري في كل شبر علي وجه البسيطة .
ألم يتعظ الطغاة ! هل هناك ما هو أكبر من الموت !
أحملق في وجوههم المسودة وأردد ستموتون !
هل طمس الله علي القلوب والأبصار فباتت لا تري الموت ولا حتي تسمع حسيسه !

يقولون أننا أجيال بائسة ! ربما لم نعش حياتنا كما عاشها آباؤنا وأجدادنا ، تفرقت أيامنا مع أشلاء الجثث وبين قطرات الدماء .
شاخت وجوهنا ونحن لم نتخط العشرين بعد ، ماتت أحلامنا ولحظات شبابنا وستلحق بها أجسادنا يوما ما .

لكننا أيضا محظوظون بما واجهنا, فقد أضحي الكثير منا من أصحاب الهمم العالية ، والعقول الناضجة .. يضعف وييأس, لكننا لا ننكسر ولا ننحني لغير الله . نعيش بكرامة ونموت بشرف .

هل نحن في زمن الموت ؟!

 هاجر ثروت

مدونة وكاتبة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة