مدونات

أبو بكر مشالي يكتب : عذرية القلب وأشياء أخري؟

هل فكرت يوماً ما معني أن تكون أنت التجربة المُرَّة في حياة شخص ما ؟! هذا ذنب جاري لا خلاص لك منه , لأنك ما إن خذلت شخصاً , سيصير بعدك عديم الثقة في كل أحد بعد خيبته منك. يتبع

 

لماذا لا نعلن الحداد و نقيم مراسم عزاء على من أصيبوا بالخيبة ؟!
علينا أن نستحدث طقوساً من شأنها التضامن مع خيبة أمل هؤلاء ، يا إلهي أي حسرة تجدها السموات حين تغيم وتمسك نفسها عن المطر ، لتعرفوا كيف يكون وجع الروح بعد خيبة الأمل ، تشعر مع كل خيبة أمل أن روحك تنحدر حتى أسفل الجحيم ، أنها تتعامل معك كما لو كنت شخصاً غريباً ليس الذي كنته قبلها ، تشعر أنك تتكور أسفل قبو وأن أحداً لا يمكنه اخراجك منه.

إنّ روحي حينها تكون ثقيلة كما لو كنت أحمل حجارة في جيبي وأعبر أرضاً سبخيه ماطرةٌ بغزارة ، ربما هذا الشعور المرهق هو الذي دفعني لكتابة هذا المقال ، لأن الإصابة بخيبة الأمل تفض بكارة الروح فيفقد القلب عذريته , و فضها ليس أقل جُرماً من فض بكارة الجسد
لأن الروح الجميلة الشفافة التي تأسرك وتنفذ اليك بمجرد أن تكون حولك , و تتوسم الإبداع والجمال في كل شيء حتى في الدمار,  و تتجاوز الأشخاص إلي عالم الأفكار وتتمرد علي الأطر حتي تنفذ الي الصدق بكل صراحة و موضوعية , لا يليق بها الخذلان أبداً ولا يمكنها أن تتحمل عذابات الخيبة , لأن الخيبة لا يُشفي منها أحد , إنها تشوهك ، تقتل شيئاً نقياً داخلك ، تأكل قلبك فتترك خلفها مأتماً وعليك أن تتعايش مع هذا المأتم مدي الحياة.


هل فكرت يوماً ما معني أن تكون أنت التجربة المُرَّه في حياة شخص ما ؟!
هذا ذنب جاري لا خلاص لك منه , لأنك ما إن خذلت شخصاً , سيصير بعدك عديم الثقة في كل أحد بعد خيبة أمله فيك, فلا تخذل مَن أتي إليك بكل طاقته , لا تغرب أحداً رآك وطناً , لا تلطم خداً كان ينتظر قبلة , لا تنكأ جرحاً كان ينتظر يداً تربط عليه.

والخيبة كثيراً ما تكون في العلاقات الاجتماعية, قد يخيب ظنك فيمن تحب أو مَن تثق , فتفكر حينها أن تنتصرلنفسك ولو علي سبيل المواساة فلا تستطيع , غير أنه لو آذاك شخص ما جسدياً , يسعك أن ترد عليه ولن تعدم وسيلة للانتصار لنفسك بالبيّنة و الدليل, فكما قالت ميسون السويدان: العدلُ في الأرض للأجسادِ منتقم .. و يُترَك القلب لا قانون يحميه.

هناك حب عصيّ علي الخيبة والخذلان , هو الحب الذي يخرج من كونه حاجة إلى كونه كمالاً وشراكة ورؤية مطلقة للحياة ، إلى ذلك الشخص الذي سأحبه حتى والعالم كله ضده لأنني أؤمن به و أثق به ، وأريده أن يكون سعيداً ولو لم يكن معي ولو لم أره ولو حالت الدنيا والبشر بيني وبينه، ذلك الحب الذي لو ذهبت لأقصى الأرض وهو في الجهة الأخرى منها فلن تتمنى شيئاً سوى أن تكون الحياة رفيقة به حتى تعود ، تعادي أعداءه دون أن تشعر، و تحتفي بنجاحاته وكأنها لك.

 لا تنظر اليه بوصفه تفصيلاً وأشياء صغيرة تجمعها مع بعضها لتكوّن صورة للحب ،  بل تخرج به و فيه عن الإطار كله عن المجتمع عن القناعات عن اللوم والعتب والتقصير ، عن الشك والوصاية والمساءلة , تحبه حرّاً كما تريد أنت أن تكون ، يرفعك و ترفعه ، ولا أحد منكما يقبل أن يخسر الآخر ولو في سبيله ، تسرع اليه وكأنه غايتك و يسرع اليك وكأنك ملاذه ، تنتظره دائماً حتى ينهي كل صراعاته و اختبارات وجوده و حسّه و تجاربه و نزقه و فوضاه لتقول له فقط أنت الصواب وهذه الحياة كلها هي الخطأ.

 لا تحاكمه ولا تؤثمه بل تقف في كل المحاكم في صف الدفاع ، الدفاع عن إنسانيته و حريته وهوسه و جنونه ومزاجه وكلما يكون الدفاع عن حياته كأنك تدافع عن الحياة نفسها لأنها بالنسبة لك فيه ، لا تسمع فيه ولا تسمح بأذاه والكلمة والحكم والصدق ما يقوله لك بلسانه، وما يرتضي ويوافق أن يقوله من تلقاء نفسه هكذا دونما ضغوط أو توجيه أو استجداء ، فليس هناك عطاء لأحدكما مجبر عليه.

أن يطير بك فوق كل تفاصيل البشر و فوضاهم و شروطهم و دروبهم لترى وحدك كم هي الحياة واسعة وجميلة برفقته ، أن يكون هو الطيف و الإلهام و الهاجس الذي يراقبك و يمنحك الشعور بالأبدية و السعادة و عمق المعني ، أن تتسامى به و فيه عن واقع بائس و حياة تافهة و أحلام قاصرة إلى حياة رحبة لا تدرك من أين تسير إليها وكيف تحبس أنفاسك و أنت تلاحقها ، وتصير غاياتك كلها حياة بوسع قلبك الذي تحبه به و تحتضنه فيه , حياة تخوضها بروح متوثبه و قلب عذري.

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة