مدونات

ناهد إمام تكتب: الويل الويل يايما

لا ترضي بالخيانة فى أهلك أبدا ولا ترضاها لنفسك أيضا، لا تريد زوجتك أن تحادث الرجال حسنا؛ ولكن ابدأ بنفسك أيضا ولا تنه عن فعل وتأت به، الغيرة محمودة ولكن. يتبع

ناهد إمام- كاتبة وصحفية مصرية

هو مجتمعنا بعينه، بوصفه ورسمه، بـ "عينه وجبايره " كما نقول نحن المصريون، هو مجتمع تكسرت فيه نصالى على النصال، هو مجتمع المطففين بجدارة، وليس التطفيف كما قد نفهم قاصرا على الكيل والميزان فى التجارة وفقط، وإنما هو أيضا فى الأحكام والمعاملات والمبادئ والعلاقات بل والمشاعر واللفتات.

لا أعرف السر وراء هذا الكم من التعليقات والمناقشات التى تداولها عدد غير قليل على موقع التواصل الإجتماعى " فيسبوك " بسبب تدوينة ساخرة لشابة تناولت فيها " الخيانة الزوجية " كفعل مجرم غير مشروع لا للرجل ولا للمرأة، منتقدة تطفيف المجتمع فى تعاطيه للأمر بإلقاء اللوم فى حال خيانة الرجل على المرأة، وعدم تجريم الرجل بينما يتم العكس مع المرأة فى حال قيامها بفعل الخيانة نفسه، فالمرأة مدانة فى كلتا الحالتين خانت هى أم خان زوجها.

قالت المدونة رانيا هاشم التى لا أعرفها شخصيا؛ وإنما قرأت السجال الذى دار على صفحتها على الفيس بوك مثلي مثل غيري: "عزيزى الزوج .. لو لقيت مراتك بتخونك .. اوعى (إياك) تحسسها إنك عارف .. حافظ على بيتك و عيالك .. ابدأ بنفسك … شوف أنت مقصّر فى إيه؟

بص فى المراية .. خِس (خفض الوزن) شوية ونزل الكرش .. اهتم بمراتك مش كل ما تشوفك تلاقيك مش حالق ومغموم وتعبان من مشاكل الشغل .. أنت لو راجل شاطر هتعرف ترجع مراتك لبيتك، والبيت مش هيتخرب، واوعى تدوَّر وراها .. اعتبرها نزوة وأحمد ربنا إنها ما طلبتش الطلاق عشان تتجوز غيرك .. هو ده الراجل المحترم الواعى اللى بيحافظ على بيته، وبيطيع ربنا إنه يملى (يملأ) عين شريكة حياته ..

إيه؟ مستغربين! حاسين الكلام أوفر (زيادة) شوية! آه صحيح ما وجهناش (وجهنا) ولا سفس (جزء صغير)  كلمة للزوجة! طيب ارجعوا اقرأوا البوست من الأول و ضيفوا تاء مربوطة للزوج .. مش هتحسوا ساعتها بأى مشكلة على الإطلاق".

البداية التى بدت صادمة للتدوينة أثارت حفيظة معظم الرجال للأسف كما وضح من التعليقات، معظم الرجال ظنوها بل وأصروا ظانين أنها دعوة لأن تخون المرأة زوجها، أوضحت المدونة مرارا وتكرارا أنها تنتقد تعامل المجتمع الانفصامى مع الأمر ولكن هيهات هيهات.

حزنت، لكننى لم أستغرب نظرة المجتمع الذى تكسرت فيه نصالى على النصال، ولأن الشئ بالشئ يذكر فقد استدعى المشهد العبثى على صفحة المدونة رانيا إلى ذاكرتى ذكرى مقال كنت قد كتبته فى العام 2007 على موقع إسلام أونلاين بعنوان "الزواج من ملتزم كارثة"، وكعادة الصحفيين نختار عنوانا " يشد القارئ، عنوان يبدو صادما هو الآخر لمقال ما كان الهدف منه أبداً تجريح الرجال الملتزمين دينيا؛ وإنما كان لنقد عدد من الممارسات المستهجنة التى يمارسها بعض الملتزمين.

وعلى طريقة هذه بتلك، عالجت "تعميم" الناس لملائكية الملتزم غير الحقيقية بتعميم بدا فى العنوان صادما؛ ولكن الحقيقة أنه ليس بالطبع كل زواج من كل ملتزم كارثة أبدا كما أنه ليس كل زواج من كل ملتزم دخول إلى الجنة أيضاً، لا لشئ إلا لأن "التعميم" خطأ شائع فى التفكير، ولأن الملتزمين بشر يخطئون وتذل أقدامهم بعد ثبوتها، وليسوا ملائكة كما يظن البعض.

المقال الذى أحدث ضجة لابأس بها وقتها،  نلت فيه –كما هى عادة كل من يناقش أمرأ اجتماعيا مسكوتا عنه- كماً لا بأس به أيضا من السب وسوء الظن، وكثيرا من التقدير لجرأة الكتابة عن أمر مسكوت عنه من آخرين رجالا ونساء.

وبالعودة إلى التدوينة التى أثارت ضجة على "فيسبوك "، فإن المجتمع لا يعتبر خيانة الرجل نزوة وعلى المرأة أن تصبر، و"تعيش"، وتغير من نفسها لأنها بالتأكيد أحد أسباب قوية كانت دافعا للرجل للخيانة؛ ليس هذا هو موقف المجتمع من المرأة فى هذا المشهد فحسب، فمشاهد الـ "تطفيف" فى مجتمعاتنا أكثر من أن تعد وتحصي، تجلس أمامها مشدوها لا تدرى من ظلم الرجل والمرأة  كلاهما، نعم كلاهما إلى هذا الحد، فالرجل الذى يري المرأة أصل كل خطيئة هكذا من أوصله إلى ظلم نفسه قبل ظلم المرأة إلى هذا الحد؟! من أوصل من إلى الاتهام والتخطئ إلى هذا الحد؟! البيضة أولا أم  الفرخة أولا ؟!

لا ترضي بالخيانة فى أهلك أبدا ولا ترضاها لنفسك أيضا، لا تريد زوجتك أن تحادث الرجال حسنا؛ ولكن أبدأ بنفسك أيضا ولا تنه عن فعل وتأت به، الغيرة محمودة؛ ولكن التى لا يحبها الله ورسوله مذمومة، العفة مطلوبة، ولكن من الجنسين .. عفوا تعف نساؤكم .. العقوبة فى الإسلام واحدة للرجل والمرأة فى حال الخيانة بالرجم أو الجلد .. الرجل الذى يرضي بالفاحشة فى أهله ديوث؛ ولكن الكرة أيضا فى ملعب المرأة إذا خانها زوجها فيحق لها أن تطلب التطليق أو أن تغفر وتستر وتسامح؛ ولكن بإرادتها وليس إجبارا لأنها امرأة. ولعل اعتبار الرجل ديوثا فى هذه الحال هو بسبب القوامة الشاملة ولأنها المسئولية وليس التمييز كما يتوهم البعض.

إن شأن التعامل فى خيانة المرأة والرجل بالتطفيف هو نفسه  سيناريو يتكرر عندما تمر المرأة بخطبة سابقة أو أكثر فيها علاقة حب فاشلة أو زيجة سابقة أو أكثر، فهى هنا "معيوبة"، وتكرار الفعل نفسه من رجل لاشئ فيه!

مرة أخرى البيضة أم الفرخة؟؟ وهل مر الرجل بزبجات فاشلة مع نفسه أم مع نساء، وهل مرت المرأة بزيجات فاشلة مع نفسها أم مع رجال؟!. أما ثالثة الأسافي فهى أن تتبدل المواقع والأدوار ويدور الزمان على الرجل الذى أعطاه المجتمع كل صلاحيات الانحلال، فتجده هو نفسه الخائن لزوجته بالأمس قد غدا أبا لا يرضي بأن يخون زوج ابنته ابنته مثلا ً، أو تجده يسرد ويرص كل المبررات الممكنة لسحق المرأة الخائنة؛ ولكنه يتراجع إن وقع الفعل نفسه من ابنته، أخته، إلخ أى امرأة يربطه بها علاقة دم وقرابة.

باختصار .. مجتمعاتنا بهذه الحال من التطفيف المجتمعى المستمر ومترامي الأطراف مسكين فيها الرجل يظلم نفسه قبل أن يظلم المرأة، ومسكينة فيها المرأة تحاول أغلب الوقت دفع الظلم تارة بتبنيه، وتارة بالتمرد، وتارة بالبين بين تراوح بين النار والرمضاء، هى مجتمعاتنا، مجتمعات الـ "ويل" بجدارة،  لا لشئ إلا لأنه وعد ووعيد إلهي.. استمروا !

 

ناهد إمام 

 صحفية وكاتبة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة