مدونات

وفاء زيدان تكتب: وكأن لا حرب هنا .. رحلتي إلى سوريا

لقد صدقت ماري، فحين زرت ضيعتي تفتناز لأول مرة في حياتي في 2013 ظننت أنني جئت لمكان لم يعرف الموت قط ولم يسمع صوت الصواريخ ولم يعش رعب البراميل المتفجرة. يتبع

 

كتبت ماري تيريز أسمر في مذكراتها التي صدرت في القرن التاسع عشر تحت عنوان “أميرة بابلية” عن نساء الشام كيف أنهن يحببن اللهو والمرح وأن الابتسامة لا تفارق شفاههن، كتبت أيضا عن الحمامات الشامية القديمة حيث تجتمع النساء الدمشقيات وتقمن الحفلات والولائم حتى تشبعن شغفهن بالتمتع بالنعيم.

لقد صدقت ماري، فحين زرت ضيعتي تفتناز لأول مرة في حياتي في 2013 ظننت أنني جئت لمكان لم يعرف الموت قط ولم يسمع صوت الصواريخ ولم يعش رعب البراميل المتفجرة أبدا.. وجوه أهلنا الذين استقبلوني أنا وعائلتي لم تفارقها الابتسامة، وكلمات الترحيب  بنا لم تتوقف.. كان هناك الكثير لألاحظه، لكن أكثر ما شدني هو تفنن هؤلاء الناس بالتعايش مع الحرب بكل سعادة وحب بل وأكثر من ذلك بكل رفاهية.

في السيارة نفسها اكتشفت أنني وضعت قدمي على قنبلة يدوية وكان أمامي رشاش.. كل ذلك حتى نصل إلى محل الحلويات في معرة النعمان الذي يبيع “الشعيبيات” المشهورة في إدلب بقشورها الذهبية الهشة والقشدة الساخنة

فهل يخطر على بالك أن تُقدم لك ضيافة مكونة من صحون المكسرات بشتى أشكالها إلى جانب كأس من الشاي وصحون الفاكهة بكل أنواعها تحت سماء تترقب منها هطول براميل متفجرة أو صواريخ قاتلة في أية لحظة؟

لقد جلسنا يومها في أرض الديار، أي في الساحة الأمامية للمنزل، النساء في حلقة على حدة والرجال على حدة. وزعت النرجيلة على الحاضرين وتعالت أصوات الضحك والفكاهات.. وبدأت أتصفح وجوه الجميع.

تلك فتاة تقص علينا حكايتها، وتلك أخرى تملك روحاً مرحة تطلق الفكاهات والقفشات لتجعل الجميع يضحك.. بينما تتولى عمتي مهمة أن تقص علينا أخبار من رحلوا.. بين من كن حاضرات بيننا في جلستنا قبل عام  من قضت تحت صاروخ  لتغدو قصة تروى.

كانت الدموع تسيح من المآقي مع ذكر الأحبة الذين رحلوا أو اللواتي رحلن، يتم مسحها بسرعة لتتواصل رواية فصول الحرب والحرب فقط فلا يزال السلام بعيدا.

في يوم آخر أخذنا أحد أقربائنا في رحلة سريعة إلى حقول تفتناز، ومن ثم إلى قرية بنش ثم الى معرة النعمان. اجتزنا الطرقات الخطرة حيث يتوقع هطول صواريخ في أي لحظة ومررنا بأزقة تمركز فيها القناصة.. في السيارة نفسها اكتشفت أنني وضعت قدمي على قنبلة يدوية وكان أمامي رشاش.. كل ذلك حتى نصل إلى محل الحلويات في معرة النعمان الذي يبيع “الشعيبيات” المشهورة في إدلب بقشورها الذهبية الهشة والقشدة الساخنة اللذيذة التي تختبئ في قلبها، فرغم جو الحرب المتوتر والمخيف لم يتوقف حب السوريين  لحياة الرفاهية والتمتع بالحلويات والتجوال، فكيف يأمل بشار أن يقتل الحياة فيها أصلا؟!

أما البيوت فقد تفنن فيها كل من هؤلاء بتزيين منزله بأجمل قطع الأثاث وتعمير ما دمرته الصواريخ وترتيبه وتنظيفه.. وحين تسألهم لم تعمرون ما قد يقصف ثانية تأتي الإجابة الرائعة “إننا سنعمرها ثانية وثالثة ورابعة فهذه الأرض أرضنا وسنعيش فيها كما لو ان شيئا لم يكن فالذي سيرحل هو بشار وأعوانه وليس نحن”.

أما لباس الفتيات فكان مفعما بالألوان والموديلات والبعض منهن وضعن المساحيق التجميلية على وجوههن.. وكأن لا حرب هنا.. لا موت.. لا ترقب للموت.. فقط نعيم وترفيه.

في اليوم التالي حدثونا عن لذة سندويشات الشاورما في إدلب، فدعانا ابن عمي أنا وأختي وأخته إلى جولة في المدينة لنشتري الشاورما.. لقد كانت من أجمل رحلات حياتي، حيث بقينا ساعة أو أكثر نتجول في السيارة بحثا عن محل شاورما ولم نجد فعدنا وقد اتفقنا أن نتظاهر بأننا أكلنا الكثير حتى لا يشمت فينا أهلنا في المنزل. استشهد ابن عمي هذا بعد سنة من تلك الحادثة.. وظل كرمه وحبه لإسعاد أهل بيته مطبوعا في قلوبنا.

رحلنا بعد ستة أيام.. حاملين معنا ذكريات كثيرة تسد رمق عطشنا لوطننا لبعض الوقت.. لكن سرعان ما أصبحت تلك الذكريات مصدرا مؤلما للحنين والشوق للعودة مرة أخرى.

في آخر يوم لنا فاجأتني ابنة عمي بأنها طهت لي “القشة” أو “الكرش” بعد أن أخبرتها الليلة السابقة أني أحبها.. قالت إنها لم تستطع تركي أذهب دون أن تطهوها لي رغم معرفتها بأننا مدعوون عند عمتي الأخرى على مائدة محاشي وكبب! أما الموائد الأخرى التي دعينا إليها فلم تخل من أنواع عديدة من الطبخات وكأن الحياة طبيعية والأمور على ما يرام.

رحلنا بعد ستة أيام.. حاملين معنا ذكريات كثيرة تسد رمق عطشنا لوطننا لبعض الوقت.. لكن سرعان ما أصبحت تلك الذكريات مصدرا مؤلما للحنين والشوق للعودة مرة أخرى.. بعض من قابلناهم لا زالوا على قيد الحياة والبعض الآخر يرحل واحدا تلو الآخر دافعا روحه ثمنا للتحرر من إجرام العصابة الأسدية حتى يتمتع بها أبناؤه وأحفاده.

وها هي الشام نفسها رغم الحرب ترقص وتغني وتنتج وتعيش.. وكأن لا حرب هنا.

وفاء زيدان
صحفية سورية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة