مدونات

نادية العوضي تكتب: قصي علينا ولا تحرمينا

قرأت بالأمس مدونة الزميلة حنان كمال على مدونات الجزيرة مباشر والتي حكت فيها جزءً من تجربتها مع مرض السرطان ثم وجدتني اليوم أمام مدونة أخرى للزميلة دعاء الشامي.. يتبع

نادية العوضي / طبيبة وكاتبة مصرية

قرأت بالأمس مدونة الزميلة حنان كمال على مدونات الجزيرة مباشر والتي حكت فيها جزءا من تجربتها مع مرض السرطان ثم وجدتني اليوم أمام مدونة أخرى للزميلة دعاء الشامي تقص فيها تجربتها المؤلمة مع فراق “أبي أولادها “وزميلي السابق الكاتب والمنتج الصحفي براء أشرف رحمه الله.

ذكرتني المدونتان بتجربتي في نقل قصصي الشخصية ما بين آلام وأفراح وحيرة ونجاحات والكثير من الفشل عبر مدونتي ووسائل التواصل الاجتماعي. أحد أمثلة ذلك البارزة هي مدوناتي بعد وفاة والدي، والذي كان قد تخطى الخامسة والسبعين من العمر وكان في آخر عمره يعاني من العديد من الأمراض، إلا أن موته بالرغم من ذلك كان مفاجئا لي. ووجدتني أواجه صدمات المشاعر الجياشة التي لم أكن أتوقعها لحظة. فقد كنت أرى زملائي وأقاربي، بل ووالدي نفسه، وهم قد فقدوا آباءهم ،لكن تعاملوا مع الأمر ظاهريا أمامي بقوة. فتوقعت أن فقدان الأب في سن كبير موضوع قابل للتعامل. فوجئت بمشاعري ولم أجد طريقاً أنسب لي للبوح بها والتعامل معها من الكتابة والتي مثلت لي صديقة صدوقة عبر بضع سنوات. كتبت ثم كتبت ثم كتبت. ووجدت بلا مبالغة سيدات من جميع أنحاء العالم يقرأن مدوناتي ويعلقن بتجاربهن الشخصية. بل أصبحت تلك المدونات الآن قبلة للائي يستخدمن محركات البحث للوصول إلى قصص أخريات يعشن تجربتهن مع فقدان الأب. يأتين إلى مدونتي ويحكين تجاربهن ويواسي بعضهن الآخر.

لما بدأت أكتب وأشارك العالم كله بعض أفكاري، وجدت من الناس من يرد ويخبرني بأن لديه نفس تلك الأفكار ونفس تلك المشاعر بل ونفس تلك المشاكل، فوجدت أنني لست وحيدة

اكتشفت من خلال تلك التجربة وغيرها الكثير بأني عشت مراحل كثيرة من عمري أكتم ما بداخلي من مشاعر وأفكار وتجارب، متخيلة أنها خاصة بي لوحدي وأنه لن يفهمني أحد. بل تخيلت مع نفسي أن بعض تلك التجارب أو المشاعر عار يجب عليّ إخفاؤها. إلا أن إخفاءها أضرني ضرراً بالغاً ولم يفدني لأني دخلت في مسلسلات طويلة من لوم النفس والاكتئاب الذي أتوقع أن يكون قد وصل للاكتئاب المرضي في بعض مراحله بل قاربت في لحظة من اللحظات من الانهيار التام.

لما بدأت أكتب وأشارك العالم كله بعض أفكاري، وجدت من الناس من يرد ويخبرني بأن لديه نفس تلك الأفكار ونفس تلك المشاعر بل ونفس تلك المشاكل، فوجدت أنني لست وحيدة فهون علي آخرون حللوا بعض كلامي وردوا عليه بوجهات نظرهم، محترمين حقي في الاختلاف

ردود مثل هؤلاء كانت تعطيني فرصة لمراجعة أفكاري ومشاعري وتجاربي، وأحياناً أجد ما يقنعني بوجهة نظر مختلفة وأخرى لا أجد لكن أتعلم أن هناك تنوعاً في التفكير ومجرد أن أفهم ذلك يعتبر دائما مفيداً بالنسبة لي. ثم وجدت قلة من الناس لا يهمهم سوى الانتقاد السيء، غير محترمين لحقي في الاختلاف عنهم. هؤلاء لا أتعلم منهم بالضرورة لكن التجربة في حد ذاتها تعلمني كيفية الصبر على الآخرين وتقبلهم إن استطعت أو فقط معرفة أن الدنيا دي فيها ناس وحشة وخلاص.

عبر السنوات حكيت عن أشياء مثل الطلاق والزواج الثاني وتجربتي مع الرياضة ومع تسلق الجبال وركوب الدراجة عبر قارة أوروبا، تجاربي مع السفر ومقابلة الآخرين من ثقافات مختلفة، والأهم من ذلك كله تجاربي مع النفس. في نفس الوقت زادت قراءاتي وتواصلاتي لمن يحكين مثل تلك التجارب. ومن خلال ذلك كله أجد فتيات وسيدات، بالأخص عربيات، يتواصلن معي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يحكين لي تجاربهن الخاصة بحثا عن حلول أو لمجرد الحاجة لأذن مستمعة. كثيراً ما أجد أنهم يشعرن نفس شعوري السابق بأن أفكارهم أو مشاعرهم أو تجاربهم عار. يحكين لي استحياء ومن باب العجز المتخيل. يتغير الإحساس سريعاً بمجرد أنه يقال لهم إنهم مش لوحدهم.

تعلمت أن المرأة العربية خاصة محتاجة تخرج من الصندوق الزجاجي كاتم الأصوات الذي صنعته لنفسها والذي جعلها شيئا ينظر إليها لكن لا يسمع لها حساً ولا يفهم

تعلمت أن المرأة العربية خاصة محتاجة تخرج من الصندوق الزجاجي كاتم الأصوات الذي صنعته لنفسها والذي جعلها شيئا ينظر إليها لكن لا يسمع لها حساً ولا يفهم ما بداخل داخلها. ذلك السجن الزجاجي حبسها، فلا هي استطاعت أن تكتشف نفسها ولا استطاعت أن تعرف إمكاناتها ولا عرفت تحقق ذاتها واستقلالها كإنسان عاقل راشد بالغ حر داخل المجتمع.

انتشر بيننا الجهل، نعيش داخل خيالاتنا وتوقعاتنا بدلا من تكوين فهم متين للواقع الذي نعيشه. نقبل أن يملى علينا بدلاً من أن نعيش حياتنا كما نريدها نحن.

احكي!

احكي وشاركي واغلطي وراجعي. انجحي وافشلي دون خوف.

عيشي!

ما تتكسفيش من نفسك! أنت مش عيب ولا أنت عار ولا أنت عورة. اسألي وافهمي وجربي واتعلمي. المهم أنك ما تخافيش.

نادية العوضي

طبيبة وكاتبة مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها


المزيد من المدونات
الأكثر قراءة