فاطمة المهدي تكتب : رقصة الفاصوليا

كان شغفى لا يوصف وأنا فى طريقى إلى هناك كمن تسارعها خطواتها للقاء حبيبها.. ما إن وصلت إلى المكان المنشود .. توجهت إلى هناك .. حيث المتعة التى لا يدركها الكثير. يتبع

  الخبيرة الإجتماعية / فاطمة المهدي

هل جربت يوما أن تغوص بين أصوات الأوانى وأزيز مرجل  الطعام بدلا من أن تراودك نفسك قراءة  كتاب من أرفف مكتبتك التى اشتكت مما تحمل دون أن تمسها؟

هل حاولت أن تغير روتينك اليومى فى الاسترخاء بين روائح ما لذ وطاب من الأطعمة بدلا من التسويف فى الاسترخاء وسط فقاقيع الصابون فى حمامك الذى قد لا تطؤه قدماك الا للضرورة القصوى؟

هل جربت أن تحتضن ألوان الفاكهة بين مقلتيك .. وتلتحف بأوراق السبانخ وتراقص حبات التوت والعنب؟
هل تجرأت لتصاحبى المطبخ فتعطيه موعدا غراميا بدلا من أن تجعليه هلاكك وجحيمك الذى لا ينتهى؟

قد تكونى من محبى الطبخ؛ لكنك لا تستمتعى به .. فقط لأنه صار واجبا عليك ومسؤلية فوق كاهليك لا تتحملينها.
حسنا .. دعونى أسوق إليكم تجربتى.

 أنا من عشاق المطبخ .. من عشاق التجربة والتفنن فى كل ما هو غريب .. أعشق كسر الروتين .. واستمتع بتمزيق كل القواعد والقوالب البشرية التى يضعها لنا المجتمع من ضرورة خلط هذا بذاك .. وسكب ذلك على ذاك.
حينما أقوم بالطبخ فإنى أتلذذ بحوارى مع الخضروات .. لا أقوم بغسلها فحسب؛ لكننى أضمها بين ثنايا أصابعى .. ألامسها .. أداعبها حتى أستشعر أنها قد صارت جزءا مني.

لا أقوم بتنظيف الأسماك .. بل أقوم بتدليلها وتدليكها وقد تجن روحى  فأنظر إلى عينيها الفضية لأحاورها ..
قمة متعتى تكمن فى مزج الخضروات ببعضها البعض لأبدع فى طبق أو عدة أطباق من عدد لا بأس به من السلطات التى خلقت من وجدانى .. ما أسعدنى حينما أرى باكورة عملى الفنى وهو يتألق فى رقصة مميزة على الطاولة.. وما أدهشنى عندما أجد إنجازى فى خلق ما كان حيا لأحييه مرة أخرى بعد أن وهبه الخالق لى.

راقبت نفسى جيدا.. فوجدتنى أتأرجح بين حالتين: حالة تعلن عن بوادر اكتئاب لا تفك عقدته سوى بالوقوف بين يدى عشيقى .. وحالة توتر ناجمة عن انقطاعى عنه وابتعادى عن لقائه؛ وكأنما صار يروينى بشئ لا أميزه، ولا أستطيع تفسيره.

 أصابتنى مؤخرا حالات توتر وقلق وقد تنبأت ببوادر حالة اكتئابية طفيفة تمثلت فى تقوقعى وعزوفى عن كل من أحب و ما أحب .. ناهيك عن عزوفى عن تناول وجباتى اليومية. وفى أوج حيرتى وألمى قررت أن أتخذ قرارا حاسما مع نفسى وألا أتركها لهواها؛ فأرغمتها على النزول لمزاولة الرياضة. سعدت حقا بما فعلت وأحسست أننى على الطريق فقررت الاستزاده، فوجدت روحى تتطلع لشئ غريب لم أعهده من قبل. وجدتها تهفو لكل ما هو ملون؛ ورغم علمى مسبقا أن علاجى قد يكمن فى سماء زرقاء ومياه نيليه، ومشهد شروق أو غروب يسلب لبى ليأخذنى إلى عالم لا متناه من التيه فى عشق قد لا أعلم مداه.

إلا أن روحى لم ترشدنى تلك المرة إلى نفس الطريق؛ لكنها دلتنى على طريق غير مألوف، فوجدت قدماى تدفعانى دفعا إلى بائع الخضروات والفاكهه.ليس لأنى اشتهيت تذوقها؛ بل لاشتهائي التمتع بالنظر إليها .. بحثت فى رأسى عن أقرب مكان لتحقيق ذلك، فلم أجد سوى ما يطلقون عليه “سوبر ماركت” لكل شئ وأى شئ؛ ورغم بغضى لذلك المكان إلا أنى حزمت أمرى وتجهزت للقاء وشوقى يسبقنى.

كان شغفى لا يوصف وأنا فى طريقى إلى هناك كمن تسارعها خطواتها للقاء حبيبها .. ما إن وصلت إلى المكان المنشود توجهت إلى هناك حيث المتعة التى لا يدركها الكثير من البشر .. توقفت أمامه لتداعبه عيناى وأملأ به بصرى .. لا أتذكر أنى اشتريت الكثير فى ذلك اليوم؛ لكنى لا أنسى أننى كنت أنقل بصرى بين ألوان الفاكهة والخضروات كطفل صغير لا يزال يكتشف العالم، ويقلبه بين يديه يمنة ويسره .. خرجت من المكان والسعادة تغمرنى وقد تبدل حالى من حال إلى حال.

 ذهبت إلى منزلى وتجهزت لحملة أطلقت عليها “رقصة الفاصوليا” فى حقيقة الأمر لا أعلم لماذا! وضعت السماعات فى أذنى .. إرتديت ملابس تليق بمكانة ما سأقوم بعمله .. أخرجت الخضروات الورقية، وبقدر ما يزعجنى تنظيفها فى بعض الأحيان إلا أننى قررت أن يكون مهرجانا متكاملا يملأه الحب من كل جانب .. فأزلت عنها بقاياها بحب .. وضعتها فى الماء لا لأنظفها بل لأحممها وأدللها .. ثم أخرجتها من الماء لأدفئها وأحميها .. ثم طويتها فى منشفة نظيفة لترتدى بذلك أبهى حلة عندما تقابل فمى وفم من أحب على العشاء.

قررت أن أخوض حربى على بوادر الاكتئاب بالطبيعة .. فممارسة الرياضة والعناية بجسدى هو جزء من الطبيعة والاستمتاع بالطبخ هو أصل الطبيعة .. وتذوق طعاما شهيا صحيا هو فن العودة إلى الطبيعة .. كنت أذهب للتريض فى السادسة صباحا ثم أعود والحماس يملأنى ومعدتى تسائلنى ألا أتركها خاوية وأخلد للنوم .. أجدنى دون أدنى تخطيط منى أخرج ما تجود به ثلاجتى العزيزة من خبز وبيض وجبن وبعض الخضروات .. أضعها فوق بعضها فى تلقائية لأكون طبق خضروات كبير، أو أقوم بمرافقة بعض عيدان المعكرونه إلى مسبحها ثم أخرجها لأخلطها ببعض الخضروات، ثم أقوم بإعداد كوب من العصير الطبيعى المثلج لتكتمل الوجبة .. أوقظ زوجى ليذهب إلى عمله ويتناول فطوره .. ينبهر بما يراه .. فليس من عادتى الاستيقاظ فى تلك الساعة وإعداد ما هو جديد أو غريب .. يبدى إعجابه ويشكرنى من قلبه لاهتمامى .. وهو لا يعلم حتى تلك اللحظة أنى لم أكن أعد طعام الفطور؛ بل كنت أعالج شوائبا قد علقت بروحى .

علمت يوما أن “جاردنر” مكتشف نظرية الذكاءات المتعدده سيقوم بإدراج الذكاء المطبخى إلى قائمة الذكاءات، ولا أعلم مدى دقة هذه المعلومة؛ لكن كل ما أعلمه أن طهى الطعام وشراؤه والتمتع بالنظر إليه قد ساعدنى كثيرا .. تلك الثورة التى تتحرك فيها حواسك الخمس لتعزف مقطوعة موسيقية يقف أمامها الناس حيارى وينحنى لها بسطاء القوم وعليتهم ..  ذاك المميز الذى لا فرق فيه بين غنى وفقير سوى بالخبرة والمزاوله..
هذا الذى يكون طوعك .. لا يعترض .. لا يتأفف .. لا يجادلك، ولا يحكم عليك إن وضعت أسود فوق أحمر ولا لحما بجوار البطيخ .. هو مطيعك ورهن إشارتك .. فقط ليمتعك.

قادتنى حالتى لاكتشاف تلك العلاقة الوطيدة التى قد لا نميزها بين أمزجتنا، وبين ما نبدعه من أطعمة؛
فكثيرا ما كنت أعلم مسبقا أن هذا الطبق سيحوز على إعجاب زوجى وأبنائى، وأن ذاك الطبق لن يعجبهم؛ رغم توحد المكونات؛ إلا أن المزاج قد اختلف. ففى كل مرة أجد الشغف فى عيونهم أعلم يقينا أن تأثير ذلك لم يكن من جودة ما اشتريت؛ بل من مزاجى الذى كان فائقا فى تلك المرة.

أسمع أحيانا بعض الإطراء من صديقاتى، وهم يوزعون ذلك إلى مهارتى؛ لكنى ما زلت أخفى عليهم سري الأعظم وهو مزاجى وأنا أعد لهم الطعام.

لا أحبذ كثيرا إعداد الطعام الذى يصحبه إرهاق قد يستمر ليوم كامل أو يومين، لأن المتعة تنتفى وتتبدل لتصير إنهاكا وشعارى الذى يعلمه عنى الكثير هو: “ليه تتعب أكتر لما ممكن تتعب أقل”. فالمحشى وما يشابهه من بعض الأكلات حقا تكون شهيه؛ لكنه يعكر صفو اليوم ويردى بالمرأة كما القتيل على فراشها بعد إعداد كمية لا بأس بها للعائلة.

ما أروع البساطة والتلقائية فى إعداد الطعام، وما أبدع الفنون فى تذوقه .. فلقد وهبنا الله الطعام لا ليمر على أفواهنا مرور الكرام لنشعر فى غفلة منا بالشبع؛ بل هناك أصول للتذوق .. ليس تذوقا فميا فقط؛ بل تذوقا حسيا..
تذوق طعامك بأنفك .. استشعره بقلبك .. متع ناظريك به قبل أن تقذفه قذفا فى معدتك.. كن مترويا فى المضغ .. اجعل حلمات لسانك حاضنا له لا منفرا .. أعط فرصة لأسنانك كى ترافقه وتترفق به لا لتلفظه إلى الداخل.

حاول أن تعالج مزاجك بتغيير نوعية طعامك .. استمتع بإعداده بنفسك؛ ليس شرطا أن تكون خبيرا يكفيك فقط أن تبدأ .. ففى ذلك متعة قد تمر حياتك دون أن تستشعره.

فاطمة المهدي

خبيرة اجتماعية – وكاتبة مصرية

 

تجدر الإشارة إلى أن كل ما ورد في المقال يعكس رأي الكاتب الخاص ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع  .

 

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها