حنان كمال تكتب: أوان الكيماوي

في القطار سقطت أولى خصلات شعري، أمسكتها بيدين ترتعشان، كنت في لحظة الحقيقة،وها هي التجربة تبدأ، خصلات شعري الأحمر المصبوغ، والمصفف تسقط في يدي.

حنان كمال

حان أوان الكيماوي, قبل موعد الجلسة الأولى طلبت من الطبيب وضع جدول زمني لكل شئ, أردت أن أعرف على وجه الدقة متى سينتهي كل هذا.

كانت خطة الطبيب مدتها ستة أشهر, استسلمت تماما، وقررت أن هذه الاشهر الستة ستكون وكأنها وقتا مستقطعا من حياتي.

أخبرني الطبيب أيضا أنه ليس في حكم المؤكد أن شعري سيسقط, وحكي لي عن نجمات كبيرات خضعن للكيماوي ولم يفقدن شعورهن, تعلقت بالأمل .

ذهبت لجلستي الأولى مستسلمة تماما, سبقتني أختي وخطيبها لمعمل الآشعة للحصول على نتائج فحوصات الكبد والرئة ومسح العظام, سلمنا صور الآشعة للطبيب، وجلست في الخارج أنتظر. حين دخلت كانت تعبيرات وجهه غارقا في الشفقة,  قال لي  “الخبر الجيد هو أن الكبد والرئة سليمان” , “لكن لديك سرطان على العظام”.

استغرقت بضع دقائق حتى أفهم, كنت كمن يغرق تماما في كوب ملئ بالماء, غير الطبيب خطة العلاج, استبعد العلاج الكيماوي, خطة العلاج الجديدة  تعتمد على العلاج الهرموني والزوميتا وهي علاج لهشاشة العظام يستخدم أيضا في حالات سرطان العظام, تحولت الجلسة الأولى للكيماوي, إلى جلسة أولى للزوميتا.
الجميل في الزوميتا أنها لا تؤثر على الشعر, لكنها تخلف آلاما مبرحة وحمى. قضيت ليلتي التالية ارتعش من الحمى, وأعاني من ألم في كل مكان بجسدي.

لم تسترح صديقاتي لخطة الطبيب التي استبعدت الكيماوي, أخذت (زينب خير) ملف الآشعة, وذهبت لأكثر من طبيب, كان كلام الأطباء حاسما, إن لم أبدأ خطة الكيماوي في أسرع وقت فحياتي في خطر.

كنت في فراشي أعاني الآثار الجانبية للزوميتا, لكنني مستريحة تماما لفكرة استبعاد العلاج الكيماوي, لم تكف صديقاتي عن محاولة إقناعي ابتلاع مرارة العلاج الكيماوي, وخشين أن يوضحن لي مستوى الخطر الذي أعاني منه, اتفقنا على الذهاب لطبيب ثالث لترجيح أحد الرأيين.

بعدما تفحص الآشعة, سألني د. هشام الغزالي ماذا أنت فاعلة, قلت له “ما ستقرره أنت” , نادى على فتاة جميلة تدعى أسماء من فريق التمريض، وقال لها “لا تخرجوها من هنا قبل أن تأخذ جلسة الكيماوي”.

 وضعت لي الممرضة غطاء رأس يفترض به أن يحمي الشعر من تاثير الكيماوي , كان شيئا باردا للغاية يغلف رأسي، وأنا ابدأ رحلة الكيماوي مع هذا المحلول الأحمر الحارق, لم أكن أعرف ما أنا مقبلة عليه, كتبت تدوينتي الساخرة على صفحتي على فيسبوك أخبر فيها أصدقائي أنني “عاملة دماغ كيماوي وأن ما ساكتبه لتوي هو تاثير الكيماوي” .. مزحت كثيرا جدا, أرسل لي الكثيرون عبر الرسائل مقدرين للبساطة والمرح التي أتعامل بها مع التجربة, قبل أن أرد على الرسائل كنت أغرق في نوم عميق.

سبب لي الكيماوي لاحقا تعبا لا يوصف, أكبر من الغرق في النعاس, ومن فقدان الشهية واعتلال المزاج والغثيان, كنت ملقاة في سريري, أصحو لدقائق قليلة .. أشرب شربة ماء ثم أسقط مجددا في النوم, أحاول أن أغادر غرفتي للصالة كي أقضي ولو ساعة مع أسرتي نشاهد التلفاز أونتحدث, أفتقد حياتي.

أفقت قليلا من تاثير الكيماوي, أخذت أولادي للنادي, كنت مشفقة جدا عليهم وهم يرون أمهم في مشهد اللاحول واللا قوة, لهوت معهم قليلا في ملعب الكرة, ثم ذهبت لمقعدي رتبت الحقائب والسترات كوسادة وواصلت النوم جالسة على مقعدي.

ثم قررت ما هو أبعد من ذلك, اصطحبت الجميع في رحلة نصف العام الدراسي للاقصر وأسوان, كان قلبي يقول لي, أنت تحبين أسوان , إذن أنتهت رحلة السرطان بالموت القريب  فستكونين حققت حلمك بزيارتها، وإذا قدر لك الشفاء فستكون هذه الرحلة هي إحدى أدواتك للشفاء.

في أسوان استمتعت كثيرا جدا بالنيل والطبيعة والهواء والدفء, لكنني كنت حزينة,  بكيت في بعض اللحظات , حرصت ألا يلحظ الصغار دموعا على وجهي, كان كل شئ جميلا جدا , وكأن هذه الدنيا هي مشهد سينمائي بديع أأوشك أن أغادره, فأبكي, أبكي بكاء مودع.

في القطار وبينما نحن عائدون للقاهرة سقطت أولى خصلات شعري, أمسكتها بيدين ترتعشان, كنت في لحظة الحقيقة, وها هي التجربة تبدأ, خصلات شعري الأحمر المصبوغ والمصفف بعناية تسقط في يدي.

وصلنا للمنزل, وضعت الحقائب ونزلت فورا لدى مصفف الشعر, طلبت منه أن يقصر شعري لأقصى حد, وأن يعالج فروة الرأس العارية مكان الخصلات التي سقطت, ببراعة محترف نفذ مصفف الشعر ما طلبته.
ما حدث بعد ذلك كان انهيارا سريعا جدا, كنت أنام لأصحو كل يوم على مزيد من الخصل تسقط على وسادتي, قبل أن يحين موعد الجلسة التالية كنت قد فقدت شعري كله.

تتجاوز الآثار الجانبية للمحلول الكيماوي الأحمر المعروف باسم “فيك” مسألة سقوط الشعر, فقد احترقت أوردتي تماما حتى أصبحت غير قادرة على فرد ذراعي, اكتست بشرتي بطبقة كالحة السواد خاصة في الوجه واليد والقدمين, كنت كلما نظرت في المرآة اكتشف أنني تحولت لإمرأة أخرى, إمرأة تتآكل ملامحها تدريجيا, بعد سقوط شعر رأسي, سقط حاجبي ورموشي, كان الانهيار أكبر من أن أوقفه.

حينما أتذكر هذه الأيام, أقول نعم, لقد انتهت المراة القديمة تماما وولدت مكانها امرأة جديدة, يحق لي إذن أن اأحتفي بنفسي, وحين أراجع مخاوف الأطباء التي قيلت لأصدقائي وقتها, ستفقد القدرة على الحركة, ستموت قريبا, أحمد الله أنني ما زلت أسير في الشوارع, أعاند مرضي أحيانا فأتقافز كفراشة, أرقص مع طفلتيي الصغيرتين, أشاكس زوجي, ما زالت لدي القدرة أن أطهو لهم, أتعلم الخبز, صرت أعتقد تماما أنني سأتعلم أشياء كثيرة فيما بقى لي من العمر, ما زلت أحيا .. ما زلت أحيا , إذن فأحيا كل دقيقة قد كتبها الله لي ممتلئة بالحمد لله .

 حنان كمال

كاتبة وإعلامية مصرية

المدونة لا تعبر عن موقف أو رأي الجزيرة مباشر وإنما تعبر عن رأي كاتبها