مقالات
أرسل الى صديق طباعة Share article
طه خليفة يكتب: الإرهاب .. وغياب البحث العميق في ظواهره
آخر تحديث : الأربعاء 11 يناير 2017   13:29 مكة المكرمة

طه خليفة*

باستثناء العراق وسوريا أحد أهم مصادر التطرف والإرهاب، وقد ساهم في بروزهما في البلدين، وفي المنطقة، النظام الطائفي المذهبي في الأولى، والنظام الاستبدادي في الثانية، فإن تركيا أكثر دولة في الشرق الأوسط والعالم تتعرض لضربات الإرهاب حاليا، والمخاوف أن يكون قد قرر الإقامة فيها مما يعرضها لمخاطر جمة في استقرارها السياسي، ونهوضها الاقتصادي، ووئامها الاجتماعي.

تركيا بلد مستقر، لا يشهد معضلة سياسة، ولا صراعا على السلطة، ولا اقتتالا أهليا، ولا غيابا للديمقراطية والحريات، ولا فقرا مدقعا، ولا الارتهان لأطراف خارجية تفرض قراراها وسيطرتها عليه وتوجهه وفقا لمصالحها، هذا للتفريق بين حالتها، وبين حالتي العراق وسوريا، ودول أخرى تأتي بعدهم بدرجات متباينة في مستوى عنفه، ومع ذلك فإنها صارت الهدف الأول تقريبا لمخططات وضربات الإرهاب الدموي المؤلم.

عشرات العمليات الموجعة تعرضت لها خلال العامين الماضيين، وقد كان ختام 2016 بشعا بتلك الجريمة التي شهدتها أسطنبول عندما فتح إرهابي النار على المحتفلين بنهاية العام في ملهى ليلي فقتل 39 وأصاب العشرات، وبعد ذلك الحادث بـ 5 أيام فقط "الخميس 5 يناير 2017" جاءت ضربة أخرى في أزمير أسفرت عن قتيلين وعدد من المصابين، وقد كان مخططا أن تكون العملية شديدة الدموية توقع ضحايا كثيرين، لكن شاء القدر أن يتم تطويقها بأقل قدر من الخسائر.

الوفاق الوطني
 عندما ننظر إلى خريطة المنطقة العربية نجد أن معظم دولها تعاني من الإرهاب بغض النظر عن طبيعة النظم الحاكمة، ومستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حتى الجزائر التي خاضت عشرية سوداء وقدمت عددا هائلا من الضحايا ثم دخلت في مصالحة وطنية واستقرت أوضاعها إلا أنها ما زالت تتعرض بين حين وآخر لضربات من خلايا كامنة محدودة، وتونس التي أفلتت بأعجوبة من أزمات وصراعات وحروب بلدان الربيع العربي الأخرى وتبنى ديمقراطتيها وتنعم بأجواء من الحرية فإن الإرهاب يستهدف أحد مفاصل دخلها القومي وهى السياحة، وهى على رأس الدول المصدرة للعناصر التي تنضم وتقاتل في صفوف جماعات التطرف وعلى رأسها تنظيم الدولة (داعش).

إذن، الوفاق الوطني بعد الأزمات السياسية والاقتتال الدموي، والمناخ السياسي الحر بدون أزمات سابقة لا يمنعان ظهور الإرهاب وانضمام الشباب إليه وإصرارهم على الانخراط في مسار سفك الدماء وارتكاب الجرائم كما في حالتي الجزائر وتونس، كما أن الديمقراطية والنجاح الاقتصادي ومستوى العيش الجيد لا يقف حائلا دون وجود إرهاب مدمر كما في تركيا، وفي الغرب الذي يُقاس عليه في نموذجية الحياة السياسية والاقتصادية وصيانة الحقوق والحريات إلا أن ذلك لا يمنع من وجود إرهاب يعتنقه وينفذه من يعيشون في بلاده كما في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وأمريكا بالطبع.

هذا أمر محير بالفعل لأنه إذا تحدثنا عن الفقر كسبب في نشوء الإرهاب نجد ما ينفي أن يكون ذلك سببا حاسما في تفشي تلك الآفة وإصابة الشباب بها لأن هناك دولا ليست فقيرة وتوفر الأمان الاجتماعي لمواطنيها ومع ذلك يخرج منها متطرفون ويضربها الإرهاب، وإذا تحدثنا عن الانسداد السياسي وغياب الحريات وانتهاك حقوق الإنسان سنجد أن هناك دولا ليست على تلك الخريطة المتصحرة القاحلة ومع ذلك ففيها تطرف وتتعرض لضربات الإرهاب مثل تونس وتركيا وبلدان الغرب، وإذا تحدثنا عن أن التطرف قد ينشأ بسبب الرغبة في التدين والالتزام بقيم الدين وتعاليمه وشرائعه في الحياة فإن السعودية مثلا تطبق ذلك ومع هذا فهى عرضة للإرهاب وكثير ممن ينتمون لتنظيماته هم من أبنائها.

لا يجوز التعميم
هنا لا نقدم بحثا علميا يقدم استخلاصات نهائية يمكن البناء عليها، إنما مجرد رصد عابر لظاهرة الإرهاب الخطيرة التي لا يتم دراستها وفحصها وتحليلها بعمق حتى الآن، رغم تمددها ومخاطرها، بواسطة متخصصين في مختلف مجالات العلوم السياسية والإنسانية والاقتصادية والدينية والنفسية والفلسفية أيضا، تكتفي الحكومات فقط - خصوصا في نطاق العالم العربي والإسلامي - برفع لافتة محاربة الإرهاب واستخدام القوة العشوائية أحيانا في مكافحته واستثمار جرائمه داخليا وخارجيا لصالح بقائها ومواصلة سلطويتها تاركة الجذور دون الحفر حولها لمعرفة كيف ولماذا نبتت؟، وما هو العلاج الواقعي الفعال لتجفيف الأرض حتى لا تنبت الجذور مجددا؟
 

لا نستبعد تماما أن يكون العامل الاقتصادي ومظهره الأبرز الفقر وكذلك الأزمات السياسية وغلق نوافذ الحريات وانتهاك حقوق الإنسان والمظالم الاجتماعية وغياب المساواة والاستبداد بمختلف أشكاله وكل ممارساته أن يكون ذلك وغيره هو المناخ الملائم لصعود اليأس والإحباط وفقدان الشخص البائس للحق في الحلم والأمل وهذا يقوده إلى دروب وعرة عديدة منها التطرف الفكري ثم الإرهاب الفعلي، ولهذا فإنه لا يجوز التعميم في دراسة قضية الإرهاب فهى بحاجة للغوص العميق فيها كحالات مستقلة باعتبار أن كل ظاهرة تكون مرتبطة ببيئتها وتربتها ومناخاتها وظروفها وأوضاعها وسياقاتها من سياسية وثقافية وفكرية ودينية واقتصادية واجتماعية ونفسية.
في تركيا فإن مصادر الإرهاب الحالي معروفة وهى : تنظيم داعش، وحزب العمال الكردستاني، هناك أسباب سياسية وعسكرية ظاهرة وهى الحرب المعلنة التي يخوضها الجيش التركي ضد التنظيمين المصنفين إرهابيين، وداعش تنظيم انتحاري بطبعه، فكرة القتل للنفس والآخر هى الأساس عند عناصره، وهو ظاهرة دموية طارئة، لكن لن تنتهي تماما، لأنه نوع من الإرهاب القائم على انحراف حقيقي في فهم الدين، أو هو مؤامرة مغلفة بأفكار دينية، وطالما الدين قائم، وطالما المؤامرات مستمرة فإن التفسيرات المضللة للدين وحياكة المؤامرات لن تنتهي، والمقلق أن الدعشنة لم تعد تهدد تركيا من الجوار السوري فقط، بل بدأت تظهر روافد لها  في داخلها، كما هو الحادث أيضا في مصر وليبيا.
وما يهمنا في رصد الظاهرة في تركيا أن هناك أتراكا باتوا يتبنون أفكار داعش ويمارسون الإرهاب وهناك أكرادا يتخلون عن نهج السلام واستكمال طريق الحل السياسي السلمي ويعودون للعمل المسلح الإرهابي مستهدفين وطنهم بعمليات مدمرة، إذ مهما كانت طبيعة الأزمة الجديدة بين الحكومة وبين الأكراد بعد فترة من الوئام والبدء في علاج ميراث الأزمة القديم فإن ذلك لا يبرر اللجوء للإرهاب ولا التماس الأسباب له ولا دعمه سياسيا أو التعاطف معه.

قدم الوجود الانساني
الحديث عن الإرهاب في تركيا يقودنا أيضا إلى نقطة مشتركة مع مختلف ظواهره في البلدان الأخرى المنكوبة به وهى عدم وجود سبب حاسم يمكن البناء عليه في تفسير ذلك الاندفاع نحو قتل النفس وقتل الآخرين، وتهديد وترهيب المجتمع.
تلك الظاهرة ليست وليدة هذه الفترة إذ أن قضية التطرف الفكري ثم الإرهاب المادي قديمة قدم الوجود الإنساني على الأرض، وتلك الأفكار ثم ما يصاحبها من ممارسات عنف ترتبط بكل مراحل التطور الإنساني، وهى تشمل كل الحضارات والثقافات والأديان والمجتمعات، لكنها اليوم أشد بروزا وفعالية في أمتنا وثقافتنا حتى يكاد أن ينسى العالم كل تاريخ بحور الدماء المرتبطة بالآخرين، ونحن ضمن ضحاياهم، ويركز فقط على كون أن التطرف والإرهاب مرتبطان بالمسلمين وبالدين الذي يؤمنون به.
الإرهاب كفعل هو ضد منطق الحياة، وضد منطق وجود الإنسان على وجه الأرض، ومواجهته ضرورة قصوى لكن وفق رؤية قائمة على منهج وعلم وفهم عميق.
 ____________________

* كاتب وصحفي مصري 

 


 

الى الأعلى
 المصدر: الجزيرة مباشر
  تعليقك على الموضوع:
الاسم:*
البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق: *
محتوى التعليق: *
(*) هذه الحقول مطلوبة